فلسطين أون لاين

عالقون بين الحلم والمعبر.. 

طلاب غزيون ينتظرون إشارة الخروج نحو جامعات العالم

...
وقفة طلابية بعنوان "حراك بين الحلم والمعبر" للمطالبة بتمكين طلبة غزة العالقين من السفر واستكمال تعليمهم.
غزة/ عبد الله التركماني:

لم تعد الشهادة الجامعية وحدها كافية للوصول إلى الجامعة، ولا القبول الأكاديمي ضمانا لبدء الدراسة، ولا المنحة الدراسية تذكرة عبور إلى المستقبل. بين طالب أنهى الثانوية العامة بتفوق ويحمل قبولا جامعيا في أوروبا، وخريجة تستعد لبدء دراسة الماجستير في إيطاليا، تقف بوابة واحدة مغلقة، تختصر في ظاهرها أزمة السفر، لكنها في حقيقتها تختصر مأساة جيل كامل يحاول أن يحتفظ بحقه في التعليم وسط حرب أزاحت الجامعات من أماكنها، وحولت قاعات المحاضرات إلى أنقاض، وجعلت الوصول إلى الإنترنت والكهرباء والكتب والمختبرات تحديا يوميا.

وتركت حرب الإبادة التي بدأت في أكتوبر/تشرين الأول 2023 منظومة التعليم العالي أمام واحدة من أكبر أزمات الدمار التي عرفتها المنطقة. ووفقا لتقييم أجرته اليونسكو ووزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية ومؤسسة "أوراد" وشمل 21 مؤسسة للتعليم العالي و38 حرما جامعيا، تضرر 95% من أحرام مؤسسات التعليم العالي، بينها 22 حرما دمرت بالكامل، فيما تعرضت 14 حرما لأضرار متفاوتة. كما أظهر التقييم أن 195 مبنى من أصل 206 مبان جرى تقييمها دمرت أو تعرضت لأضرار جسيمة جعلتها غير صالحة للعمل. وقدرت الخسائر المادية بنحو 373.2 مليون دولار.

ويمثل معبر رفح منفذا وحيدا يعتمد عليه أهالي غزة في الخروج إلى مصر ومنها إلى العالم الخارجي، لكن لا يسمح إلا لعدد محدود للغاية من سكان غزة بالسفر وفق آلية معقدة تتطلب الحصول على ما تسمى "الموافقات الأمنية" الإسرائيلية الأمر الذي يبقي أولئك الطلاب عالقين دون مستقبل أو أمل.

"بين الحلم والمعبر"

أمام هذا الواقع، خرج طلاب غزة الأربعاء الماضي في وقفة احتجاجية ضمن حراك "بين الحلم والمعبر"، مطالبين بتسهيل سفر الطلبة الحاصلين على منح وقبولات جامعية في الخارج، وفتح الطريق أمامهم لاستكمال تعليمهم.

وحمل المشاركون شهادات القبول والمنح والوثائق الجامعية، في محاولة للفت الانتباه إلى ما يرونه خسارة مزدوجة: خسارة الحق في التعليم داخل غزة بسبب تدمير المؤسسات التعليمية، ثم خسارة فرص الدراسة خارج القطاع بسبب القيود على السفر.

WhatsApp Image 2026-08-08 at 9.57.16 PM.jpeg
 

وردد الطلاب مطالب تركز على أن التعليم ليس امتيازا يمكن تأجيله إلى ما لا نهاية، وأن الطالب الذي حصل على منحة دراسية بعد منافسة مع مئات أو آلاف المتقدمين لا ينبغي أن يخسرها لأنه عاجز عن الوصول إلى المعبر.

وجاءت الوقفة في ظل تزايد أعداد الطلاب الذين حصلوا على قبولات أو منح خارجية، بينما يواجهون عوائق تحول دون مغادرتهم القطاع. وأظهرت تغطيات صحفية للوقفة أن الطلاب وصفوا استمرار العملية التعليمية داخل غزة بأنه شديد الصعوبة، وطالبوا بفتح المعابر أمامهم لاستكمال تعليمهم.

من رسالة القبول إلى الانتظار

عندما فتح خالد منير، البالغ من العمر 19 عاماً، رسالة القبول الجامعي للمرة الأولى، لم يكن يتخيل أن أجمل رسالة تلقاها في حياته ستصبح لاحقاً واحدة من أكثر الأشياء التي تؤلمه.

كان منير قد أنهى الثانوية العامة بتفوق في العام الماضي، في وقت كانت فيه الدراسة في غزة تجري وسط ظروف استثنائية فرضتها الحرب. لم تكن طريقه إلى المنحة سهلة، فقد درس في ظل انقطاع الكهرباء والإنترنت، وانتقل بين أماكن مختلفة، وحاول الحفاظ على مستواه الأكاديمي في بيئة لا توفر الحد الأدنى من الاستقرار الذي يحتاج إليه الطالب.

ثم جاءت الرسالة التي انتظرها طويلاً: منحة دراسية في إحدى جامعات إيرلندا.

يستعيد منير لحظة وصولها "عندما وصلتني الرسالة، لم أنم طوال الليل. كنت أقول لعائلتي إنني سأغادر، وإنني أخيراً سأذهب إلى الجامعة التي حلمت بها. شعرت للمرة الأولى منذ بداية الحرب بأن لدي مستقبلاً يمكن أن أخطط له".

كان يتخيل حياته في إيرلندا، والجامعة التي سيدرس فيها، والتخصص الذي سيبني من خلاله طريقه المهني. لكنه سرعان ما اكتشف أن الحصول على المنحة لم يكن نهاية الطريق، وإنما بداية رحلة أخرى أكثر تعقيداً.

بدأ منير إجراءات السفر، وتواصل مع الجهات المعنية والمنظمات التي تعمل على مساعدة الطلاب، وانتظر فتح معبر رفح. وحين ظهرت آمال بفتح محدود للمعبر، أدرج اسمه ضمن القوائم التي كان يأمل أن تتيح له المغادرة.

لكن الانتظار استمر.

كان منير يعرف أن عدد المسافرين محدود، وأن الأولوية غالباً للحالات الطبية، وأن مجرد وجود اسمه في قائمة لا يعني بالضرورة أنه سيعبر. ومع كل يوم يمر، كان موعد بدء دراسته يقترب.

يقول لصحيفة "فلسطين": "لم أكن أتصور أنني سأصل إلى هذه المرحلة. درست وتفوقت وحصلت على منحة كاملة، وفعلت كل ما يستطيع الطالب فعله. لكنني الآن أواجه شيئاً لا علاقة له بدرجاتي ولا بقدراتي. أنا فقط لا أستطيع الوصول إلى المكان الذي قبلني".

وبمرور الأشهر، تحولت متابعة أخبار المعبر إلى جزء من حياته اليومية. يفتح هاتفه، يبحث عن أي خبر يتعلق برفح، ثم يعود إلى بريده الإلكتروني بحثاً عن رسالة من الجامعة.

"أفحص هاتفي مرات كثيرة في اليوم. أبحث عن أي خبر عن المعبر، وأنتظر رسالة من الجامعة، وأحاول أن أعرف هل ما زالت منحتي قائمة أم لا. أصبحت حياتي مرتبطة برسائل لا أعرف متى ستصل"، يقول منير.

لكن أكثر ما يخشاه ليس الانتظار وحده، وإنما أن ينتهي الانتظار بعد فوات الأوان.

WhatsApp Image 2026-08-08 at 9.57.17 PM.jpeg
 

يقول: "أخشى أن أصل إلى لحظة تخبرني فيها الجامعة بأن الموعد انتهى، وأن المنحة لم تعد متاحة. عندها سأكون قد خسرت شيئاً عملت من أجله سنوات، ليس بسبب نقص في مستواي أو لأنني لم أستحقه، وإنما لأنني لم أستطع الخروج من غزة".

ورغم ذلك، يرفض منير أن يتعامل مع حلمه باعتباره انتهى.

"أنا لا أطلب أكثر مما يحصل عليه أي طالب في العالم: فرصة للوصول إلى جامعته. لا أريد امتيازاً ولا معاملة خاصة. أريد فقط أن أستطيع عبور الطريق إلى المكان الذي منحني فرصة للدراسة".

وفي الأيام التي لا يأتي فيها أي جديد، يعود منير إلى الدراسة عن بعد، محاولاً ألا يسمح للانتظار بأن يقطع صلته بالتعليم.

ويقول: "إذا بقيت جالساً أنتظر من دون أن أدرس، سأخسر كل شيء. لذلك أحاول أن أتعلم وأقرأ وأحافظ على مستواي، لأنني ما زلت أؤمن بأنني سأصل يوماً ما".

ثم يصمت قليلاً قبل أن يضيف: "أريد أن أخرج لأتعلم، ثم أعود يوماً إلى غزة بما تعلمته. نحن لا نبحث عن مستقبل بعيد عن بلدنا، بل عن العلم الذي يساعدنا على بناء مستقبل لها".

منحة ماجستير معلقة

تحمل أماني العايدي، البالغة من العمر 22 عاماً، ملفاً جامعياً أصبح أشبه بجواز سفر إلى مستقبل لم تتمكن من الوصول إليه بعد.

أنهت العايدي مرحلة البكالوريوس في ظروف الحرب، وتمكنت بعد منافسة طويلة من الحصول على منحة دراسية كاملة لإكمال درجة الماجستير في إيطاليا. بالنسبة إلى شابة أمضت سنوات دراستها وسط ظروف استثنائية، بدت المنحة وكأنها نافذة تفتح أخيراً على حياة أكاديمية أكثر استقراراً.

لكن تلك النافذة بقيت بعيدة.

WhatsApp Image 2026-08-08 at 9.57.20 PM.jpeg
 

تقول العايدي  لصحيفة "فلسطين": "عندما وصلتني رسالة القبول، بكيت طويلاً. لم أبك لأنني حصلت على منحة فقط، وإنما لأنني شعرت أن هناك مستقبلاً ما زال ممكناً. شعرت أن الحرب لم تستطع أن تأخذ كل شيء مني".

بدأت العايدي إعداد ملف السفر، وجمعت الوثائق والشهادات، وأنجزت الإجراءات المطلوبة، وواصلت التواصل مع الجهات الأكاديمية التي ساعدتها في الحصول على المنحة.

لكن الجزء الأصعب كان خارج قدرتها.

كان عليها انتظار إمكانية السفر عبر معبر رفح، ثم انتظار إدراج اسمها ضمن قوائم المغادرين، ثم انتظار الموافقات والإجراءات المرتبطة بالعبور.

تقول: "كنت أعتقد أن أصعب شيء هو الحصول على المنحة. اكتشفت لاحقاً أن الحصول عليها كان أسهل من الوصول إلى الجامعة. فجأة أصبحت حياتي مرتبطة بقائمة سفر، وبموعد فتح معبر، وبقرار لا أملك أي قدرة على التأثير فيه".

وتحتفظ العايدي بحقيبتها ووثائقها استعداداً للسفر، لكنها تقول إن تكرار الأخبار عن فتح المعبر ثم إغلاقه جعل الاستعداد نفسه مؤلماً "كلما سمعت أن هناك احتمالاً لفتح المعبر، أرتب حقيبتي وأراجع أوراقي وأتخيل أنني سأغادر. ثم يمر الوقت ولا يحدث شيء. أصبحت الحقيبة بالنسبة إليّ رمزاً لشيء أنتظره ولا أعرف إن كان سيحدث".

وتراقب العايدي زملاءها الذين تمكنوا من السفر إلى الجامعات الأوروبية، وتفرح لوصولهم، لكنها لا تستطيع إخفاء شعورها بالمرارة "أفرح عندما أرى زملائي يصلون إلى إيطاليا ويبدأون دراستهم، لكنني أسأل نفسي في الوقت نفسه: لماذا لم أتمكن أنا من ذلك؟ نحن حصلنا على المنح لأننا استحققناها. ما الذي يجب أن أفعله أكثر حتى أستطيع الوصول إلى جامعتي؟".

ومع اقتراب المواعيد الأكاديمية، أصبح القلق جزءاً من يومها. فالجامعة قد تتمكن من تمديد القبول، وقد لا تتمكن، والمنحة التي حصلت عليها مرتبطة بجدول زمني محدد. تقول: "أكثر ما يخيفني أن أخسر المنحة بسبب الوقت. أنا لا أريد أن يقال لي إنك تأخرت، لأنني لم أتأخر بإرادتي. كنت هنا أنتظر الطريق الذي يسمح لي بالوصول".

وتحاول العايدي أن تنظر إلى السنوات التي قضتها في الدراسة باعتبارها دافعاً للاستمرار، لا سبباً للاستسلام "أنا طالبة ماجستير، مثل أي طالبة في العالم. الفرق الوحيد أنني أعيش في غزة. لا أريد من العالم أن يمنحني شيئاً إضافياً، أريده فقط أن يطبق على حياتي الكلام نفسه الذي يقوله عن حق كل إنسان في التعليم".

وفي حديثها عن المستقبل، لا تتحدث العايدي عن مغادرة غزة بصورة نهائية، بل عن العودة إليها بعد اكتساب المعرفة "أريد أن أتعلم وأعود. غزة تحتاج إلى أطباء ومهندسين وأكاديميين وباحثين. نحن الذين نجونا من الحرب لا نريد أن نبقى مجرد ضحايا لها. نريد أن نكون جزءاً من إعادة بناء ما دمرته".

ثم تنظر إلى ملفها الجامعي، وتقول: "أنا لا أطلب أن تُفتح لي أبواب خاصة. أطلب فقط أن يُفتح الطريق أمامي إلى الباب الذي فتحته لي الجامعة".

WhatsApp Image 2026-08-08 at 9.57.23 PM.jpeg
 

المصدر / فلسطين أون لاين