حذر النائب الثاني لرئيس المجلس التشريعي، د. حسن خريشة، من أن إجراء الانتخابات التشريعية في الظروف الراهنة، وخصوصا مع الحديث عن استثناء قطاع غزة والقدس، "قد يؤدي إلى إعادة إنتاج المشهد السياسي القائم بدلا من إحداث تغيير حقيقي في النظام السياسي الفلسطيني"، مؤكدا في الوقت ذاته أن الانتخابات يمكن أن تشكل، إذا أجريت بصورة شاملة ونزيهة، مخرجا لإنهاء حالة التفرد وتوحيد الشارع الفلسطيني في الضفة والقدس وغزة.
وقال خريشة، لصحيفة "فلسطين"، إن الأولوية في المرحلة الراهنة تتمثل في وقف العدوان وحرب الإبادة، وعدم فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، معتبرا أن الانتخابات قد تكون إحدى الأدوات التي تساعد على معالجة حالة الانقسام السياسي وإعادة بناء الشرعية الفلسطينية على أساس المشاركة الشعبية.
وأشار إلى أن الانتخابات المرتقبة لا تأتي، وفق تقديره، باعتبارها قرارا فلسطينيا خالصا، بل جاءت في سياق مطالب وضغوط دولية تتعلق بالإصلاح والتغيير داخل النظام السياسي الفلسطيني.
وقال: "هذه الانتخابات ليست قرارا فلسطينيا في الدرجة الأولى، هي جزء من مطالب لا تنتهي من الأوروبيين وغيرهم، وبالتالي هي ردود على المطالب التي تحدثوا عنها بالإصلاح والتغيير".
ورأى أن الأولوية كان يفترض أن تكون لإعادة بناء الإطار الوطني الفلسطيني الأشمل، بما في ذلك مجلس وطني فلسطيني يمثل الفلسطينيين في الشتات والداخل والأراضي المحتلة عام 1967، بدلا من التركيز على انتخابات المجلس التشريعي فقط.
وأضاف أن الانتخابات تثير "سؤالا كبيرا" بشأن مدى قدرتها على إنتاج شرعية فلسطينية حقيقية في الظروف السياسية والميدانية الحالية، مشددا على أن إجراء الانتخابات لا ينبغي أن يرتبط بشروط تؤدي إلى استبعاد قوى سياسية فلسطينية.
وقال خريشة: "لا يمكن أن تُجرى انتخابات ضمن اشتراطات توضع على المشاركين، سواء كان ترشحا أو انتخابا"، معتبرا أن بعض الشروط الواردة في الإطار القانوني والسياسي للانتخابات تبدو مصممة لاستبعاد قوى سياسية وفصائل فلسطينية تتبنى نهج المقاومة.
وتساءل خريشة عن إمكانية إجراء انتخابات حقيقية في ظل استمرار الأوضاع الاستثنائية في القدس وقطاع غزة، مذكرا بأن انتخابات عام 2021 ألغيت على خلفية عدم السماح بإجرائها في القدس.
وقال: "هل الأوضاع في القدس مستقرة اليوم؟ ولم تعد كما كانت سابقا؟"، مضيفا أن السؤال لا يتعلق بالقدس وحدها، وإنما أيضا بقطاع غزة الذي يعيش ظروفا استثنائية تجعل من الضروري توضيح الكيفية التي ستجرى بها الانتخابات، والجهة أو المؤسسة التي ستنبثق عنها.
غياب برنامج سياسي واضح
وحول المشاركة في الانتخابات، أكد خريشة أن القوى والشخصيات الفلسطينية مطالبة بالتشاور بشأن الموقف منها، وعدم التعامل معها باعتبارها أمرا مفروغا منه، خصوصا في ظل غياب برنامج سياسي واضح ومتكامل.
وقال: "ما هو البرنامج السياسي للقوى التي ترغب في المشاركة في هذه الانتخابات؟ هل سمع به أحد؟ أنا لا أرى شيئا اسمه برنامج سياسي حتى الان"، في إشارة إلى ما يعتبره غيابا للبرنامج السياسي الواضح الذي ينبغي أن تستند إليه العملية الانتخابية.
وحذر خريشة من أن إجراء الانتخابات بمشاركة محدودة قد يمنحها، رغم ضعف المشاركة، صفة الأمر الواقع، ويؤدي في النهاية إلى إعادة إنتاج السلطة السياسية القائمة.
وقال: "ستصبح انتخابات فلسطينية محسوبة علينا"، مضيفا أن الخطر يكمن في أن تؤدي المشاركة المحدودة إلى إنتاج مجلس أو مؤسسة سياسية تمثل في جوهرها امتدادا للمنظومة السياسية الحالية.
وتابع: "إذا كانت الانتخابات ستعيد إنتاج النظام السياسي الفلسطيني نفسه، فما الذي سيتغير؟".
وفي هذا السياق، أعرب خريشة عن تشككه في جدية إجراء الانتخابات بصورتها الحالية، رغم وجود ضغوط أوروبية ودولية قوية باتجاه تنظيمها، معتبرا أن إجراء الانتخابات بأي نسبة مشاركة سيجعل نتائجها واقعا سياسيا يصعب تجاهله.
كما حذر من أن أي غياب لقوى فلسطينية رئيسية عن العملية الانتخابية، وفي مقدمتها حركتا حماس والجهاد الإسلامي، سيطرح إشكالية كبيرة بشأن مدى تمثيل المجلس التشريعي الجديد للشارع الفلسطيني.
وقال خريشة إنه يشك في أن تكون الانتخابات قادرة، في حال غياب هذه القوى، على إنتاج شرعية سياسية جامعة، معتبرا أن استبعاد القوى السياسية الرئيسية قد يؤدي إلى تعميق الانقسام بدلا من إنهائه.
وختم خريشة بالتعبير عن اعتقاده بأن الهدف من الانتخابات يجب أن يكون إحداث تغيير سياسي حقيقي وتجديد الشرعية الشعبية، لا مجرد إعادة إنتاج الواقع السياسي القائم، مشيرا إلى أن الفلسطينيين أمام فرصة ينبغي التعامل معها بجدية، لكن بشرط أن تكون انتخابات شاملة لا تستثني غزة أو القدس، ولا تستبعد القوى السياسية الفلسطينية، وأن تكون جزءا من مسار وطني يقود إلى إنهاء حالة التفرد وإعادة توحيد النظام السياسي الفلسطيني.
وكان رئيس السلطة محمود عباس قال إن الانتخابات التشريعية ستُجرى بموعدها المحدد في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني 2026، لكن ذلك واجه مطالبات واسعة بأن تكون الانتخابات في إطار توافق وطني وأن تشمل المجلس الوطني ورئاسة السلطة.
ويستمر عباس في رئاسة السلطة منذ انتهاء ولايته الانتخابية عام 2009 دون إجراء انتخابات رئاسية جديدة، وسط انتقادات بشأن تركّز الصلاحيات بيد الرئاسة وإضعاف الرقابة والفصل بين السلطات.

