منذ الساعات الأولى لاندلاع حرب الإبادة الجماعية، لم يكن مدير الطواقم الميدانية في جهاز الدفاع المدني بغزة إبراهيم أبو الريش، يبحث عن ملجأ يحتمي فيه أو طريق ينجو من خلاله، بل كان يتجه نحو الأماكن التي يهرب منها الجميع، مدفوعًا بواجب إنساني لإنقاذ العالقين تحت الأنقاض، بالرغم من القصف المتواصل واستهداف طواقم الإنقاذ على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي.
على مدار أشهر الحرب، عاش أبو الريش، عشرات المواقف التي وضعت حياته على المحك، لكنه يؤكد أن أصعبها كان في حي الصبرة جنوبي مدينة غزة، حين تشارك وأحد عشر عنصرًا من الدفاع المدني في إنقاذ عائلة تعرض منزلها للقصف الإسرائيلي.
ويستعيد أبو الريش، تفاصيل تلك المهمة قائلاً لصحيفة "فلسطين": إن الطاقم خرج من المهمة بسبعة أفراد فقط بعد استشهاد أحدهم، وهو علاء عمر، في حين أصيب ثلاثة آخرون، في إثر انهيار المنزل فوقهم بعد قصف وهم بداخله في أثناء تنفيذهم مهمة إنسانية.
وقال أبو الريش: إن "دقائق قليلة فصلت أفراد الطاقم عن الموت، بعدما بدأت جدران المنزل تتهاوى فوق رؤوسهم، قبل أن يتمكن الناجون من الخروج بأعجوبة".
مهمة صعبة
وبالرغم من المخاطر، لم تتوقف المهام، بل ازدادت تعقيدًا مع استمرار الاستهداف الإسرائيلي للمناطق السكنية، وخصوصًا الحدودية، حيث كانت قوات الاحتلال توجه عبر مكبرات الصوت المثبتة على الآليات العسكرية والطائرات المسيرة، تهديدات مباشرة لطواقم الدفاع المدني، مهددة إياهم بالإخلاء أو القصف.
وأشار مدير الطواقم الميدانية في الدفاع المدني، إلى أن إحدى أصعب المهمات كانت لإنقاذ طفل يدعى يوسف عويضة، ظل عالقًا تحت ركام منزل في منطقة حدودية، في حين كان جيش الاحتلال يكرر تهديداته للطواقم بالانسحاب.
وأضاف، أنه رفض مغادرة المكان، وأبلغ الجنود عبر الصراخ أنهم طواقم مدنية لا تحمل سوى رسالة إنسانية، وأن الطفل يجب أن يخرج حيًا من تحت الركام.
وبعد ساعات من العمل وسط الخطر، والقول لأبو الريش، نجحت رجال الدفاع المدني في انتشال الطفل ونقله إلى المستشفى، في مشهد يعتبره من أكثر اللحظات التي منحته الإصرار على مواصلة الطريق.
أصعب قرار
ويؤكد أبو الريش أن طبيعة عمل جهاز الدفاع المدني تفرض على أفراده التوجه إلى أخطر الأماكن، حيث يكون المدنيون محاصرين تحت الأنقاض، في حين يفر الجميع بحثًا عن النجاة.
وتابع: إن الوصول إلى المصابين يمنحهم شعورًا بالأمل، وكأن المنقذين أصبحوا بالنسبة لهم طوق النجاة الأخير.
ومن بين أكثر المشاهد التي لم تفارق ذاكرته، عملية إنقاذ امرأة مسنة كانت محاصرة تحت أسقف ثلاثة طوابق انهارت فوقها في منطقة الصحابة، وسط مدينة غزة.
وتابع أن الجزء العلوي من جسدها كان ظاهرًا، في حين سُحقت ساقاها بالكامل تحت الكتل الخرسانية، ومع غياب المعدات الثقيلة واستحالة رفع السقف، اضطر لاتخاذ أصعب قرار في حياته المهنية.
وأكمل أنه استخدم آلة قطع "الديسك" لفصل ساقيها وإنقاذ حياتها، في حين كانت تصرخ من شدة الألم، مؤكدًا أن الخيار كان بين فقدان ساقيها أو فقدان حياتها بالكامل.
ووصف تلك اللحظة بأنها ما تزال تطارده حتى اليوم، لما حملته من ألم إنساني وعجز فرضته ظروف الحرب ونقص الإمكانات.
استهداف متعمد
وأكد أبو الريش، أن الاحتلال لم يكتفِ باستهداف المدنيين، بل تعمد أيضًا عرقلة عمليات الإنقاذ، موضحًا أنه اضطر في أكثر من مناسبة إلى تجاوز رفض التنسيق للوصول إلى عائلات محاصرة.
واستذكر مهمة قرب دوار أبو مازن، حيث كانت عدة عائلات، بينها نساء وأطفال، محتجزة في منطقة تنتشر فيها دبابات جيش الاحتلال.
وأردف أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر أبلغتهم باستحالة الوصول بعد رفض الاحتلال مرور الطواقم، إلا أنه قرر تحمل المسؤولية والتقدم مع فرق الإنقاذ وسيارات الإسعاف إلى المنطقة.
وتابع: إن الطواقم سارت في الشوارع تحت مراقبة الطائرات والدبابات، حتى تمكنت من إخراج النساء والأطفال سالمين، رغم إدراك الجميع أن أي لحظة قد تتحول إلى استهداف مباشر.
ولم تقتصر معاناة أبو الريش، على ساحات العمل، إذ دفع ثمنًا شخصيًا باهظًا خلال الحرب، حيث أجبرت زوجته وأطفاله على النزوح إلى جنوبي القطاع، في حين بقي هو في مدينة غزة يؤدي واجبه، منقطعًا عن أسرته لأشهر طويلة، لا يطمئن عليهم إلا نادرًا وعبر الاتصال لثواني معدودة قبل أن يهرع لإنقاذ المواطنين.
ولم يكن القصف وكثافة مهمات الإنقاذ أصعب ما واجهه أبو الريش، بل شعوره بالعجز عن احتضان أطفاله في أكثر مراحل حياتهم خوفًا، بينما كانت زوجته تتحمل وحدها مسؤولية الأسرة.
كما تلقى خلال الحرب نبأ استشهاد والدته، لكنه لم يتمكن حتى من المشاركة في تشييعها أو دفنها، بسبب ارتباطه بعمليات الإنقاذ وإغلاق الطرق، مكتفيًا بتوديعها عن بعد، بينما واصل عمله بين الأنقاض.
أكبر التحديات
وأكد أبو الريش أن النقص الحاد في المعدات شكل تحديًا كبيرًا، إذ كانت الطواقم تحفر بين الركام بالمطارق والمعاول لساعات طويلة، في ظل غياب الآليات الثقيلة، ما أدى إلى استشهاد عدد من المحاصرين قبل الوصول إليهم.
وبين أن سيارات الإنقاذ كانت تتعطل قبل الوصول إلى مواقع القصف، فيكمل أفراد الطواقم طريقهم سيرًا على الأقدام وهم يحملون معداتهم، قبل أن يباشروا عمليات الحفر والبحث عن شهداء أو مفقودين.
ولا يخفي الآثار النفسية العميقة التي خلفتها الحرب على أفراد الدفاع المدني، مؤكدًا أن الإصابات لم تكن جسدية فقط، بل امتدت إلى جروح نفسية لا تقل قسوة.
وأشار إلى أن مشاهدة أجساد الأطفال الممزقة، وأشلاء النساء، والحوامل اللواتي قتلن مع أجنتهن، تركت ندوبًا يصعب أن يمحوها الزمن.
وقال: إن أكثر المشاهد إيلامًا، عايشه عندما حاول إنقاذ امرأة حامل استشهدت في إحدى مدارس حي الزيتون، في حين كان جنينها ما يزال يتحرك خارج جسدها، وهو مشهد يؤكد أنه لا يجد أي علاج نفسي قادرًا على محوه من ذاكرته.
ورغم كل ما عاشه، أكد أبو الريش، أنه لا يفكر في مغادرة جهاز الدفاع المدني الذي التحق به عام 2008، وتدرج في مسؤولياته حتى أصبح مديرًا للطواقم الميدانية.
واختتم حديثه قائلاً: إن "أعظم مكافأة هي دعوات الأمهات وكلمات الأطفال الذين عادوا إلى الحياة بعد انتشالهم من تحت الركام"، مؤمنًا بأن إنقاذ إنسان واحد يستحق كل ما دفعه من تضحيات، وأن رسالة الدفاع المدني ستبقى أقوى من القصف، وأبقى من محاولات الاحتلال إسكات أصوات المنقذين.

