لم تعد الكلمات تخرج من حنجرة آمال أحمد نبهان (57 عامًا) بسهولة، فكل جملة تنطق بها تبدو كمعركة صغيرة تخوضها مع الألم.
تجلس داخل خيمتها في مواصي خانيونس، جنوبي قطاع غزة، تلتقط أنفاسها بين عبارة وأخرى، في حين يترك المرض النادر الذي أصاب أحبالها الصوتية أثره في صوتها، كما تركت الحرب آثارها في حياتها وأسرتها، حتى اجتمع عليها المرض والفقد والنزوح في آن واحد.
قبل خمس سنوات شُخّصت آمال بمرض “الفقاع المناعي” الذي أصاب الأحبال الصوتية، وهو مرض نادر للغاية، تقول إنه “يصيب شخصًا واحدًا من كل مليون”.
خضعت قبل الحرب لعلاج خارج قطاع غزة أدى إلى تحسن ملحوظ في حالتها، لكن اندلاع الحرب وانقطاع العلاج أعادا المرض بصورة أشد قسوة.
وبصوت متقطع، تقول لصحيفة "فلسطين": “لا أستطيع الكلام إلا بصعوبة، وحتى الطعام أتناوله بصعوبة، كنت قد تحسنت قبل الحرب، لكن بعدما انقطع العلاج ساءت حالتي كثيرًا، ولا يوجد لهذا المرض علاج في غزة".
ولم تتوقف معاناتها عند المرض، إذ تلقت صدمة استشهاد زوجها حسني نبهان، المتطوع في جهاز الدفاع المدني، أثناء محاولته حماية طاقم قناة الجزيرة والمشاركة في إنقاذهم عقب استهداف الاحتلال مدرسة فرحانة في خانيونس.
تقول بصعوبة وهي تسترجع تلك اللحظات: “بعد استشهاد زوجي تعبت كثيرًا، ولم أحتمل الصدمة، بعدها أصبت بجلطة زادت حالتي الصحية سوءًا".
ولاحقًا، جاءت ضربة أخرى أكثر قسوة عندما استشهد ابنها يوسف (36 عامًا) في مدينة غزة، دون أن تتمكن من رؤيته للمرة الأخيرة أو توديعه أو المشاركة في دفنه.
وتروي بحرقة: “لحظة سماعي خبر استشهاد يوسف سقطت على الأرض، كانت من أصعب اللحظات في حياتي، لم أره، ولم أودعه، ولم أعرف حتى أين دُفن".
ولم يكن ذلك السقوط الأول، إذ تؤكد أنها تعرضت للسقوط أكثر من أربع مرات نتيجة ضعف الحركة وهشاشة العظام، وفي إحدى المرات أصيبت بكسر في الحوض استدعى تركيب صفائح معدنية داخلية، ما جعل حركتها أكثر صعوبة.
وتقول: “لا أستطيع الحركة إلا بصعوبة شديدة، بالكاد أذهب إلى دورة المياه، ولا أستطيع القيام بأي عمل داخل الخيمة".
وتعيش آمال اليوم في خيمة نزوح بخانيونس، بعدما اضطرت أسرتها إلى مغادرة منزلها في منطقة أبراج الكرامة بمدينة غزة، متنقلة بين أماكن النزوح خلال أشهر الحرب.
ولا يزيد الحر القاسي داخل الخيمة إلا من معاناتها، إذ تقول: “الأجواء الحارة تزيد الالتهابات، خاصة في الفم والشفتين، وترفع مستوى الألم بشكل كبير".
وتضيف أنها تعتمد على دواء الكورتيزون لتخفيف الالتهابات، إلا أن الحصول عليه أصبح مهمة شاقة بسبب نقصه وارتفاع ثمنه.
وتوضح: “أتناول الكورتيزون عندما أستطيع توفيره، لكنه غير متوفر دائمًا، وسعره مرتفع جدًا، أما الآن فلا يوجد لدي علاج حقيقي، ولا أتناول سوى المسكنات".
وعلى الرغم من حصولها على تحويلة طبية للعلاج خارج قطاع غزة منذ أكثر من عام، فإنها لا تزال تنتظر فتح الاحتلال الإسرائيلي الطريق أمامها للسفر، بينما تتراجع حالتها الصحية يومًا بعد آخر.
وتختم حديثها بمناشدة تحمل ما تبقى من أمل: “أريد السفر للعلاج قبل أن تتدهور حالتي أكثر، هنا لا يوجد علاج لمرضي، وكل يوم يمر أشعر أن صحتي تضعف أكثر، ولا أريد أن أبقى أنتظر حتى يفوت الأوان".

