فلسطين أون لاين

كيف تحولت "فرحة التوجيهي" في غزة إلى معركة وجود؟

تحوّلت نتائج "التوجيهي" في غزة تحت وطأة القصف المستمر والواقع المادي الصعب إلى استفتاء حيّ على القدرة على البقاء، في بقاع الأرض قاطبة، تُقاس فرحة النجاح ببطاقات التهنئة وخيارات التخصص المتاحة؛ أما في غزة، فتُقاس بحجم الأمل المقتطع من قلب الركام، وبثبات طالبٍ يقرأ على ضوء هاتفه بين غارة وأخرى، ليجد نفسه بعد النجاح أمام جدارٍ آخر من التحديات: جامعات مدمّرة بالكامل، ورسوم دراسية استنزفت ما تبقى من رمق الأسر، وفرص سفرٍ ومُكافآت تفوّق تُصادَر عند المعابر المغلقة، إن فرحة التوجيهي اليوم هي فعل مقاومة مدنية ومعركة وجود أثبت فيها الطالب الغزّي أن السعي نحو المعرفة هو الأداة الأخيرة لحماية الهوية الوطنية من المحو والاندثار.


النجاح تحت سقف القصف والنزوح

كانت نتائج "التوجيهي" الأخيرة في قطاع غزة بياناً سياسياً مدوياً وصياغة جديدة لـ "الشرعية العلمية بالصمود"؛ إذ لم يذهب الطلاب إلى امتحاناتهم من مقاعد دراسية مجهزة أو بيوت آمنة، وإنّما خرجوا من قلب الخيام المتهالكة، وتحت سقف نيران القصف الذي لم يتوقف لحظة واحدة، لقد خاض الجيل الحالي معركته الأكاديمية في ظروف تُصنّف تحليلياً بالتعجيز الشامل؛ حيث الانقطاع التام للكهرباء والإنترنت، والنزوح المتكرر الذي شتت الأسر وفكك المراجع الدراسية، واستحال معه الحصول على الكتاب إلى رحلة شاقة بين الركام.

في هذا السياق، تحوّل مجرد الإصرار على المذاكرة تحت قصف الطائرات إلى شكل من أشكال "المقاومة بالإحاطة المعرفية"،  إنها مجابهة علنية ومباشرة مع استراتيجيات "التجهيل الممنهج" وسياسات المحو الحواري والمكاني التي أُريد لها أن تقتطع هذا الجيل من سياقه الحضاري، لقد نجح الطالب الغزي في انتزاع نصر مفهومي خالص؛ فأعاد تعريف التفوق من مجرد استيعاب للمناهج إلى قدرة استثنائية على الإبقاء على الفكر حياً في مواجهة أشرس أدوات الإبادة.


مقبرة الأحلام الأكاديمية.. عن البنية التحتية المدمّرة والرسوم التعجيزية

ولكن، سرعان ما تتلاشى نشوة هذا النصر المفهومي لتصطدم بجمود الواقع المادي؛ فالطالب الذي نجا بكتبه من تحت القصف يجد نفسه فور إعلان النتائج أمام "إبادة أكاديمية" شاملة شلت الحياة التعليمية في القطاع، لقد تحولت الجامعات والمؤسسات التعليمية التي كانت يوماً حواضن للفكر والبحث إلى ركام وأطلال، مما أسفر عن وفاة الخيارات المحلية وتجريد الطالب من حق اختيار التخصص الذي يتناسب مع شغفه وتفوقه.

هذا التدمير المادي لم يقف عند حدود المباني، ولكنه امتد ليتكامل مع أزمة اقتصادية خانقة وصفت بانهيار "اقتصاد المعرفة المنهك"؛ حيث يصطدم الناجحون بمتطلبات مالية ورسوم دراسية تعجيزية تفرضها الخيارات البديلة أو التعليم الإلكتروني المتبقي، وفي ظل انعدام دخل الأسر، وفقدان أرباب العائلات لمصادر رزقهم جراء الحصار والنزوح، يتحول التعليم العالي من حق أساسي مكفول إلى رفاهية حصريّة تقتصر على من يمتلك قدرة مادية نادر وجودها اليوم، إنها لحظة انكسار قاسية يتحول فيها التفوق العلمي إلى عبء معنوي ومالي، وتصبح أروقة التعليم المحطمة مقبرةً حقيقية لأحلام جيل كافح ليظل على قيد المعرفة.


احتجاز التفوق.. حرمان الموهوبين من السفر وحصار المنح

يتجاوز المشهد حدود العجز المالي والخراب المادي ليبلغ أوج تكثيفه السياسي في قضية الطلبة المتفوقين الذين استطاعوا بجهدهم الخارق انتزاع منح دراسية في أعرق الجامعات العالمية، هنا، يصطدم "التفوق المحاصر" بواقع المعابر المغلقة وسياسات الإغلاق الشامل، ليتضح أن الأزمة هي قرار سياسي وأمني يُمارَس فيه احتجاز تعسفي للعقول، إن حرمان الموهوبين من الخروج لاستكمال دراستهم يمثل مصادرة متعمدة لكفاءات المستقبل، وإطفاءً مقصوداً لشعلة الإبداع الغزي التي تُشكل خطراً على رواية الإحباط والاستسلام.

لقد تحوّلت "الجغرافيا المغلقة على الأحلام" إلى سجن كبير يُحرم فيه الطالب من أبسط حقوقه الإنسانية والدولية: الحق الأصيل في الحركة والتعلّم والتطور، إن احتجاز هذه النخب الأكاديمية خلف الأسلاك الشائكة وحرمانهم من المنح الدولية هو اغتيال معنوي لمنظومة التنمية الوطنية، وحرماناً لمجتمع كامل من جيلٍ كان يمكن أن يعود مدركاً لأحدث المعارف والعلوم ليعيد بناء ما دمرته الحرب، إنها سياسة تجفيف القنوات المعرفية التي تسعى لحصر الإنسان الغزي في متطلبات الإغاثة اليومية، ومحو طموحه في التواجد على الخارطة الأكاديمية العالمية.


التعليم كإستراتيجية بقاء..

 الرد الغزي على سياسات الإبعاد والتجهيل

على الرغم من هذا الشلل المفروض على أركان العملية التعليمية، يظل التمسك بالمعرفة في غزة ظاهرة تتجاوز منطق الحسابات التقليدية؛ فالإصرار على تحصيل الشهادات وسط هذه الأغلال هو "إستراتيجية بقاء" وفعل انحياز حضاري، يدرك الغزيون أن التعليم في سياقهم الثقافي والسياسي هو الخط الدفاعي الأخير عن الهوية الوطنية في مواجهة محاولات التهجير المعنوي وإفراغ المجتمع من مقوماته الفكرية.
إن الرهان الاستعماري على إغراق غزة في أُمية قسرية هو رهان خاسر أمام شعبٍ يرى في القلم امتداداً شرطياً للهوية والوجود، إن الحق في التعليم ليس منّة يُنتظر جودها من المعابر أو المنظمات، بل هو حقٌّ مُنتزع ومقدس تُعمدُه الدماء ويحميه الإصرار الجماعي للأسر التي تقتطع من قوت يومها لتعليم أبنائها، ومن هنا، تجيء "معركة التوجيهي" لتعلن أن المخطط الذي أراد للجامعات أن تصبح ركاماً وللطلبة أن يتحولوا إلى أرقام في قوائم النزوح، قد صُدم بوعيٍ يرى في العلم أداة التحرر الأولى؛ فتتحول كل خيمة دراسية وكل محاولة للتعلم عبر الشاشات الثابتة إلى رد حاسم: إن غزة لا تُهزم طالما أن أجيالها تتمسك بحقها في المعرفة كحقٍّ في الحياة.


عندما ينتصر القلم على الركام

إن المعركة الحقيقية التي خاضها طالب التوجيهي في غزة كانت مواجهة صريحة ضد إرادة التجهيل والمحو الحضاري، لقد أثبت هذا الجيل — وهو يعبر من بين ركام الجامعات وجدران الحصار المعتمة — أن التعليم هو عقيدة بقاء وسلاح تحرير لا يمكن مصادرته بقذيفة أو إغلاق معبر.

إن العالم الذي يقف اليوم شاهداً على احتجاز التفوق وتدمير المؤسسات التعليمية مدعوٌْ لإعادة النظر في أوهام الحصار؛ فمهما بلغت شدة "الإبادة الأكاديمية" وقسوة "التجهيل الممنهج"، ستظل غزة تنجب من قلب الخيام عقولاً تتحدى القهر، وتكتب بالدموع والحبر وثيقة وجودها الأبدي.

ستبقى فرحة التوجيهي صرخة نصر مكتومة في وجه العالم، وتذكيراً دائماً بأن شعباً يحمل القلم كقضية، لا يمكن لأي قوة على وجه الأرض أن تسلب منه حقه في المستقبل.

المصدر / فلسطين أون لاين