لم تكتفِ الحرب بأن تسلب فادي خليل شقورة (32 عامًا) قدمه التي بُترت إثر إصابته خلال مسيرات العودة، بل واصلت انتزاع أحبّته ومقومات حياته واحدًا تلو الآخر.
ففي الثالث والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر 2023، استشهد شقيقه محمد، ولم تتمكن العائلة حتى من إلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليه أو تشييع جثمانه، لتبدأ رحلة جديدة من الفقد والمعاناة لم تتوقف حتى اليوم.
داخل خيمة متواضعة في مواصي خانيونس، يعيش فادي مع والديه المقعدين وطفليه، خليل (5 سنوات) وآلاء (3 سنوات)، بعدما أصبح المعيل الوحيد للأسرة، بالرغم من إعاقته الحركية وبتر ساقه من أعلى الركبة.

يتحرك مستندًا إلى عكازتين، لكنه يحمل على كتفيه مسؤوليات تفوق قدرة الأصحاء، فيرعى والديه، ويؤمن احتياجات طفليه، ويحاول أن يحافظ على ما تبقى من حياة عائلته وسط النزوح والقصف والفقر.
ويستعيد فادي تفاصيل رحلة النزوح التي بدأت من شمال قطاع غزة، حيث أجبرتهم الغارات الإسرائيلية المتواصلة على الانتقال من مكان إلى آخر بحثًا عن النجاة، قبل أن يستقر بهم المطاف في خيمة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة في مواصي خانيونس.
ويقول لصحيفة "فلسطين" إن أكثر المشاهد التي لا تزال عالقة في ذاكرته وقعت عندما اقتحم جيش الاحتلال الإسرائيلي محيط مستشفى الوفا شمال القطاع، حيث كانت ألسنة الدخان تتصاعد في المكان بعد استهداف مركبات الإسعاف، في حين كانت العائلة تحاول الفرار وسط القصف والنار والخطر.
ويضيف: "رغم أنني مبتور القدم، وجدت نفسي أحمل والدي المقعد وأهرب به من الدخان والنيران، حتى اليوم لا أصدق كيف استطعت فعل ذلك، ولا أعرف من أين جاءتني القوة لحمله والنجاة به في تلك اللحظات".

وبالرغم من انتهاء تلك اللحظة، فإن معركة البقاء اليومية لم تنتهِ، فداخل خيمة النزوح، تبدأ معاناة جديدة كل صباح، إذ يضطر فادي إلى إنجاز جميع الأعمال المنزلية بنفسه، رغم إعاقته، فيعد الطعام، ويغسل الملابس، ويجلي الأواني، ويتولى رعاية والديه وطفليه.
ويؤكد أن أكثر ما يرهقه هو حمل المياه، إذ لا يستطيع القيام بهذه المهمة بمفرده دائمًا، فيلجأ أحيانًا إلى جيرانه أو المارة أمام خيمته لمساعدته، قائلاً إن أبسط تفاصيل الحياة أصبحت تحتاج إلى جهد مضاعف بسبب فقدانه لقدمه، في وقت لا تتوفر فيه أي وسائل تخفف عنه أعباء الحياة.
ولم تتوقف مآسي العائلة عند إصابة فادي، فوالده خليل شقورة (69 عامًا) أصيب بشظايا خلال مجزرة “الترنس” في جباليا في ثالث أيام الحرب، ما أدى إلى إصابته بشلل نصفي أقعده عن الحركة.
أما والدته حنان أحمد شقورة (65 عامًا)، فأصيبت بشظايا في الرأس واليد خلال قصف مدرسة جرار القدوة في خانيونس، التي لجأت إليها العائلة هربًا من القصف في شمال القطاع، لتتحول هي الأخرى إلى شخص يحتاج إلى رعاية دائمة بعد أن فقدت قدرتها الطبيعية على الحركة.

وتذرف حنان شقورة الدموع وهي تتحدث عن واقعها اليوم، قائلة إن أبسط احتياجاتها اليومية أصبحت مرتبطة بمساعدة ابنها، رغم أنه هو نفسه يعاني من إعاقة دائمة.
وتقول: “لا أستطيع الحركة أو قضاء احتياجاتي أنا ووالده إلا بمساعدة ابني فادي، وهو مبتور القدم، أشعر بالعجز كل يوم عندما أراه يتحمل كل هذه المسؤوليات وحده”.
وتناشد حنان المجتمع الدولي العمل على وقف الحرب، والسماح لها بتلقي العلاج خارج قطاع غزة، على أمل أن تستعيد جزءًا من قدرتها على الحركة، وتخفف العبء الثقيل الذي يحمله ابنها منذ سنوات.
في خيمة لا تتجاوز بضعة أمتار، تجتمع الإعاقة والفقد والنزوح والمرض، ويواصل فادي رحلة يومية شاقة، متنقلًا على عكازتيه بين رعاية والديه المقعدين، والاعتناء بطفليه، والقيام بكل تفاصيل الحياة التي فرضتها الحرب. إنها حكاية أسرة فلسطينية تختصر جانبًا من معاناة آلاف العائلات التي ما زالت تنتظر نهاية الحرب واستعادة حقها في حياة كريمة.

