حكاية صمود ترويها الدموع ويطرزها الأمل؛ هكذا تجسدت قصة الطالبة رغد زياد السوافيري (18 عاما)، التي خطفت النجاح في الثانوية العامة "التوجيهي" بمعدل 71.1% متجاوزة بذلك جدارا سميكا من الآلام التي خلفتها الحرب المستمرة على قطاع غزة، والتي خطفت والدها وهدمت منزلها، لتسطر درسا بليغا في الإرادة والتحدي.
تقول رغد لصحيفة "فلسطين": "هذا كله بفضل الله تعالى أولا، ثم بفضل دعم عائلتي وزوجي. كان طموحي الأساسي الحصول على شهادة الثانوية العامة لأنها كانت رغبة والدي الشهيد، والحمد لله فعلتها".
وتضيف بصوت يعتصره الألم ويملؤه الفخر: "صحيح أن الفقد عظيم وخلف حزنا كبيرا لأن والدي ترك فراغا كبيرا في حياة أسرتي، لكنه كان الدافع الأكبر لأحصل على الشهادة، لأنه في النهاية الحياة تستمر رغم كل الظروف. كان دائما يوصيني أن أكون متفوقة في دراستي وفي حياتي العائلية".
مغامرة وسط جحيم الصعاب
لم تكن رحلة رغد في تقديم الامتحانات مفروشة بالورد، بل كانت مغامرة محفوفة بالمخاطر والمعاناة اليومية. وعن ذلك تروي قائلة: "في ظل هذه الظروف، كانت الثانوية العامة مغامرة كبيرة في حد ذاتها. كنت أحاول التكيف والوصول للحد الأدنى من مقومات الحياة التي تساعدني لتقديم الامتحانات؛ مثل الانتقال للبحث عن أماكن يتوفر فيها الإنترنت، الحصول على رزم تعليمية، وشحن الجوال، وغيرها الكثير من الصعوبات".
وتتابع: "وبالفعل، كان زوجي سندا وحافزا لي لتجاوز هذه المرحلة الصعبة، وبفضل الله فعلتها وحصلت على الشهادة".
واليوم، تقف رغد على مفترق طرق تملؤه التحديات، وتعبر عن واقعها قائلة: "اليوم أنا أقف حائرة بين حياتي الزوجية وصعوبات التعلم والتعليم. كنت يوما ما أحلم أن أدخل الجامعة وأدرس التمريض، ولكن الآن لا يمكنني أن أجزم بذلك بسبب ظروف معينة وصعوبات جمة".
وتختتم رغد رسالتها بتوجيه نظرة أمل لجيل الشباب قائلة: "رسالتي لهم أن يجدوا ويجتهدوا ليحققوا أحلامهم المستقبلية، لأن العلم والتعليم هو سلاحنا الأول والأخير".
الزوج السند.. شراكة في النجاح والألم
من جانبه، يروي الزوج حيدر السوافيري (23 عاما) لصحيفة "فلسطين" تفاصيل هذه الشراكة الملهمة في صنع الإنجاز، قائلا: "منذ بداية زواجنا، كنا نعرف أن مرحلة التوجيهي ستكون تحديا كبيرا، لكننا اتفقنا على أن يكون نجاحها هدفا مشتركا بيننا. حاولت أن أوفر لها كل ما أستطيع من هدوء ودعم، خاصة أنها كانت تحمل في قلبها ألم فقدان والدها الشهيد وكانت تتمنى أن تهديه هذا النجاح".
ويضيف بفخر بالغ: "كنت أرى تعبها وسهرها وإصرارها كل يوم، واليوم وأنا أراها تحصد ثمرة هذا الجهد أشعر بفخر كبير جدا وكأن هذا النجاح نجاحنا معا، وأتمنى أن يكون والدها فخورا بها كما نحن فخرون".
ويوضح السوافيري فلسفته في دعم شريكة حياته بالقول: "رغم الظروف الصعبة التي نعيشها، كنا نحاول أن نجعل بيتنا مكانا يمنحها الطمأنينة والتركيز، وكنت أحرص على أن أخفف عنها أي ضغط حتى تتفرغ لدراستها. أؤمن أن دعم الزوج ليس بالكلام فقط، بل بالصبر والتشجيع والوقوف إلى جانب زوجته في أصعب لحظاتها".
ويختتم رسالته لكل الأزواج بالقول: "كن السند الحقيقي لشريكة حياتك، فالكلمة الطيبة والاحتواء والدعم الصادق قد يصنعون فرقا كبيرا ويساعدونها على تحويل الألم إلى نجاح وإنجاز يفتخر به الجميع".
قصة رغد وحيدر ليست مجرد سرد لنجاح طالبة في امتحان تقليدي، بل هي تجسيد حي لروح الإنسان الفلسطيني الذي يرفض الاستسلام للموت والدمار. في قطاع غزة، حيث تعصف الأزمات وتتكسر أحلام الكثيرين على صخرة الواقع القاسي، تظل الإرادة النافذة هي السلاح الأبقى.

