فلسطين أون لاين

الشيخ فاروق.. أسطورةٌ تكشف عورة الاستيطان

لا تحتاج الضفة الغربية اليوم إلى مزيد من الأدلة لإثبات أن ما يجري فيها حرب استيطانية مفتوحة. فالمستوطنون، الذين أصبحوا الذراع الأكثر تطرفًا للمشروع الصهيوني، يقتلون الفلسطينيين، ويحرقون منازلهم ومزارعهم، ويقتلعون أشجارهم، ويستولون على ينابيع المياه، ويصادرون الأراضي، ويهجرون التجمعات البدوية والريفية، في حين يقف جيش الاحتلال حارسًا لهم، ويوفر لهم الغطاء الكامل، ويمنحهم الحصانة للإفلات من العقاب.

والمفارقة أن العالم الذي ادّعى طوال الأشهر الماضية أن حرب غزة جاءت بذريعة السابع من أكتوبر، يصمت اليوم أمام جرائم الضفة الغربية، رغم أنها تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن الاحتلال لم يكن بحاجة إلى ذريعة كي يمارس عدوانه، وأن الاستيطان والإحلال والاقتلاع كانت وما زالت جوهر المشروع الصهيوني منذ بداياته.

فما الذي يربط بين إحراق مخيمات شمال الضفة، وتهجير سكانها، وتدمير المدن والقرى، وبين ما جرى في غزة ولبنان وسوريا؟ إنه العقل ذاته، والعقيدة ذاتها، والسياسة ذاتها.

من دير ياسين إلى كفر قاسم، ومن صبرا وشاتيلا إلى غزة، ومن مسافر يطا إلى قرى نابلس ورام الله والخليل، تتكرر الجريمة بأدوات مختلفة، لكن بهدف واحد: اقتلاع الفلسطيني من أرضه وإحلال المستوطن مكانه.

وفي قلب هذه الحرب، يبرز مشهد الشيخ فاروق رمضان، ذلك الرجل الذي لم يحمل صفة عسكرية، ولم يقف خلفه جيش أو مؤسسة، بل وقف بوصفه فلسطينيًا يدافع عن أرضه وكرامته في مواجهة عصابات جاءت لتقتله وتسلبه حقه في الحياة. لقد تحولت قصته إلى رمز، لأنها أعادت تعريف المعادلة التي حاول الاحتلال فرضها؛ معادلة الفلسطيني المستسلم الذي ينتظر دوره في الطرد أو القتل.

إن القيمة الحقيقية لهذا النموذج لا تكمن في تفاصيل الحادثة بقدر ما تكمن في الرسالة التي حملها: أن الإنسان الفلسطيني، مهما حوصر، يبقى متمسكًا بأرضه، وأن الاستيطان ليس قدرًا لا يُقاوم، بل مشروع يمكن إفشاله بثبات أصحاب الأرض وصمودهم ووحدتهم.

وفي المقابل، كشفت هذه الحادثة حجم الفراغ الذي تعيشه الضفة الغربية.

فمنظومة السلطة هناك  تبدو عاجزة عن وقف تمدد الاستيطان، في حين تستمر الاعتداءات بصورة شبه يومية، دون وجود ردع حقيقي أو حماية كافية للمزارعين وسكان القرى.

أما المجتمع الدولي، الذي يرفع شعارات القانون وحقوق الإنسان، فقد اكتفى بالمشاهدة، وكأن الدم الفلسطيني لا يستحق سوى بيانات الإدانة.

لقد أدرك المستوطنون أن البيئة السياسية الحالية تمنحهم مساحة غير مسبوقة للتغول، ولذلك انتقلت اعتداءاتهم من الاستيلاء على التلال إلى اقتحام القرى، ومن سرقة الأراضي إلى محاولة فرض واقع يجعل حياة الفلسطيني مستحيلة.

إنها سياسة تهدف إلى دفع الناس إلى الرحيل دون إعلان رسمي بالتهجير، عبر تحويل حياتهم إلى جحيم دائم.

إن معركة الضفة الغربية اليوم ليست معركة أرض فقط، بل معركة وجود وهوية ومستقبل. وكل شجرة تُقتلع، وكل منزل يُهدم، وكل عين ماء تُصادر، ليست حادثة منفصلة، بل حلقة في مشروع متكامل يسعى إلى إعادة رسم الخريطة الديموغرافية والسياسية لفلسطين.

ولهذا، فإن الشيخ فاروق رمضان لم يتحول إلى رمز لأنه شخصية استثنائية، بل لأنه عبّر عن صورة الفلسطيني الذي يرفض مغادرة أرضه مهما بلغت التضحيات، ويؤمن بأن الأرض لا يحميها إلا أصحابها، وأن الصمود عليها هو الخطوة الأولى في مواجهة المشروع الاستيطاني.

قد ينجح الاحتلال في هدم بيت، أو اقتلاع شجرة، أو إحراق قرية، لكنه يعجز عن اقتلاع الإرادة الفلسطينية. فهذه الأرض، التي ارتوت بدماء الشهداء، لم تكن يومًا أرضًا بلا أصحاب، ولن تتحول إلى ذلك مهما اشتد بطش المستوطنين، ومهما طال صمت العالم.

المصدر / فلسطين أون لاين