لم يعد الحديث عن دور نيكولاي ملادينوف ومجلس السلام في غزة مجرد نقاش حول فشل الوساطة أو ضعفها، بل أصبح من المشروع الحديث عن تواطؤ سياسي يوفر الغطاء للاحتلال الإسرائيلي ونتنياهو لمواصلة خروقاته والانقلاب على التفاهمات دون أي ثمن حقيقي.
خلال الأسابيع الماضية أبدت الفصائل الفلسطينية مرونة واضحة في التعامل مع المقترحات المطروحة، وتعاطت بإيجابية مع ورقة التفاهمات، بالرغم مما تضمنته من ملفات شديدة الحساسية والتعقيد.
وكان الهدف الفلسطيني واضحًا: وقف حرب الإبادة، وحماية شعبنا، وفتح الطريق أمام الإغاثة والإعمار، والوصول إلى ترتيبات تمنع العودة إلى الحرب.
هذه الإيجابية لم تكن محل خلاف، بل اعترفت بها الولايات المتحدة ومجلس السلام والوسطاء، وجرى الحديث عن تقدم وتفاهمات يمكن أن تشكل مدخلًا لمرحلة جديدة.
لكن حين جاء الدور على نتنياهو، قال “لا”، ورفض التفاهمات، ووضع شروطًا جديدة، وحاول التخلص من الالتزامات التي جرى التوصل إليها، ومع ذلك لم نسمع موقفًا أمريكيًا حازمًا، ولم نشاهد ضغطًا حقيقيًا من مجلس السلام، ولم يخرج ملادينوف ليحمّل نتنياهو مسؤولية تعطيل المسار.
الأخطر أن *الاحتلال لم يكتفِ برفض التفاهمات سياسيًا، بل بدأ بتفريغها ميدانيًا من مضمونها، وعادت سياسة الاغتيالات*، ونفذت عمليات استهداف، وسبقتها عمليات مشابهة قبل نحو عشرة أيام، بما يؤكد أن نتنياهو يريد الاحتفاظ لنفسه بحق القتل متى شاء، وفي المكان والزمان والطريقة التي يحددها.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية، وأن الاحتلال يستطيع تنفيذ الاغتيالات، يواصل القصف، وتأجيل الانسحاب، والتحكم بالمساعدات والمعابر، ثم لا يواجه سوى الصمت، فما الذي تغير فعليًا؟
حتى الآن لم يشعر المواطن الفلسطيني في غزة بتحول حقيقي في حياته. لم تنتهِ حالة الخوف، ولم تبدأ عملية إعمار جدية،ولم تتوقف الانتهاكات بصورة تضمن للناس الحد الأدنى من الأمن والاستقرار.
في المقابل، تبدو الولايات المتحدة شديدة السرعة في توجيه الاتهامات للفلسطينيين بمجرد صدور موقف أو تحفظ تجاه أي انتهاك إسرائيلي، ويُطلب من الفلسطينيين إثبات حسن النوايا باستمرار، في حين يُسمح لنتنياهو برفض الاتفاق نفسه دون أن يواجه موقفًا مماثلًا.
عندما لا يدفع الاحتلال ثمن خرق الاتفاق، تصبح الخروقات سياسة. وعندما لا يدفع ثمن الاغتيالات، تتحول الاغتيالات إلى أداة تفاوض.
وعندما يجد أن المجتمع الدولي منشغل بصراعات المنطقة وأزماتها، فإنه يراهن على مرور جرائمه دون حساب.
*مسؤولية ملادينوف ومجلس السلام اليوم واضحة: إما حماية الاتفاق والضغط على الطرف الذي ينتهكه، أو الاعتراف بأنهما تحولا إلى غطاء سياسي لإدارة الاحتلال للحرب وفق شروطه.
*غزة لا تحتاج إلى مزيد من البيانات والاجتماعات، تحتاج إلى وقف حقيقي للقتل، وانسحاب فعلي، وفتح للمعابر، وإغاثة وإعمار.

