فلسطين أون لاين

احتفال طلاب الثانوية العامة في غزة.. عندما تتحدى الإرادة حرب الإبادة

بداية نبارك لطلاب الثانوية العامة في قطاع غزة نجاحهم وتفوقهم، ونُحيّي صمودهم وثباتهم وإصرارهم على استكمال المسيرة  التعليمية.

على الرغم من عدم استطاعة الطلاب تقديم الاختبارات وجاهياً بسبب ما خلفته حرب الإبادة من تدمير أغلب مدارس قطاع غزة وإخراجها عن الخدمة، فإن إرادة التعلم لم تمت، فقد قررت وزارة التربية والتعليم إجراء الاختبارات إلكترونياً، واستجاب طلاب قطاع غزة في تحدٍ للظروف المستحيلة.

شكلت مشاهد احتفال سكان قطاع غزة بنتائج الثانوية العامة بعد ثلاث سنوات من حرب الإبادة الجماعية المستمرة، رسالة واضحة: أن هذا الشعب ما زال متمسكاً بالحياة، فوق الركام وتحت القصف. اختار الطلبة أن يفرحوا، وأن يصنعوا لحظة أمل بالرغم من استمرار آلة القتل الإسرائيلية وبطش الاحتلال.

قد يبدو هذا المشهد غريباً لمن يتابعه من خارج قطاع غزة: كيف لشعب يعيش أطول حرب إبادة في العصر الحديث أن يحتفل ويظهر مظاهر الفرح؟ في غزة لا يوجد بيت لم يذق مرارة الفقد، ولا عائلة لم تعرف النزوح والوجع، ومع ذلك كانت الضحكات حاضرة، والصور تملأ الشوارع.

بحسب وزارة التربية والتعليم الفلسطينية، بلغ عدد الطلبة الشهداء في قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023 أكثر من 20 ألف طالب، كما استُشهد 1037 معلماً وإدارياً وأصيب 4740 آخرون.
وعلى صعيد البنية التعليمية، دُمرت وتضررت أغلب مدارس وجامعات قطاع غزة، فقد ذكرت الأونروا أن نحو 90% من مدارس القطاع تعرضت للتدمير الكامل أو الجزئي.

أحد الخبراء النفسيين وصف سلوك سكان قطاع غزة بأنه "نضوج ما بعد الصدمة"، الفكرة بسيطة ومؤلمة في آن واحد: كل أهل غزة واجهوا صدمات متكررة، لكنهم لم يجدوا فرصة ليعيشوا أعراض ما بعد الصدمة، لأن الصدمة الأولى لم تنتهِ حتى جاءت الثانية، ثم الثالثة، هذا التراكم المتواصل لم يكسرهم، بل شكّل لديهم طريقة جديدة في التعامل مع الألم، تحولت الصدمات المتتالية إلى خبرة تراكمية، فنشأ نوع من الصلابة النفسية التي لن تراها إلا في غزة.

لم تكن الدراسة في غزة أمراً عادياً، تحولت الخيام إلى صفوف دراسية، والأرضية الرملية إلى مقاعد، وأصوات القصف إلى خلفية يومية للطلاب، يضطر الطلاب للدراسة في الخيام، تحت درجات حرارة لا يمكن لبشر أن يتحملها، وفي ضجيج لا يطاق بسبب الاكتظاظ السكاني الخانق.

وتفاقمت الصعوبة مع انهيار منظومة الاتصالات وانقطاع الكهرباء والإنترنت، ما جعل تقديم الاختبارات تحدياً شبه مستحيل، ورغم ذلك أصر الطلاب على تقديم اختبارات الثانوية العامة إلكترونياً.

هذه الصلابة لا تعني غياب الوجع، أهل غزة يتألمون، ويحزنون، ويتذكرون من فقدوا كل يوم، لكنهم اختاروا ألا يقفوا عند مواطن الحزن فقط، لأن الحياة لا يمكن أن تستمر إذا جمدنا عند الفقد والألم. كل مواطن في غزة يحمل في قلبه جبالاً من الألم والوجع، وقد تجد الكثيرين لا يعرفون معنى النوم من ثقل ما يحملون من هموم.

لكن تراهم يتعالون على الجراح، يزرعون الأمل في الصخر، ويسقونه بماء الصبر، حتى تنبت منه زهرة صلبة بين الركام. الاحتفال ليس إنكاراً للمأساة، هو إعلان أن الإرادة أقوى من محاولات كسرها، وأن الفرح نفسه فعل مقاومة.

في مشهد تخرج طلاب الثانوية العامة بغزة نرى المعنى كاملاً: شعب تعرض لكل شيء، ومع ذلك يصر على أن يكمل، وأن يفرح، وأن يصنع مستقبلاً لأبنائه بالرغم من كل شيء، في مشهد يتحدى فيه سكان قطاع غزة حرب الإبادة، بإرادة صلبة لا تنكسر.

المصدر / فلسطين أون لاين