حين خرج همام خلف من تحت أنقاض منزله في جباليا، لم يكن يعلم أن المعركة التي نجا منها ستتبعه إلى مقعد الدراسة. حملته الحرب من بيت إلى آخر، ومن مكان نزوح إلى آخر، لكنها لم تنتزع منه كتابه ولا حلمه.
بين ركام المنزل الذي فقده، وخيمة النزوح التي درس فيها، وساعات العمل التي اضطر إليها لمساعدة والدته، كتب همام قصة نجاح لم تبدأ من قاعة امتحان، بل بدأت من لحظة اختار فيها أن يواصل الطريق بالرغم من كل ما حوله.
لم يكن وصوله إلى معدل 93.1% في الفرع العلمي مجرد تفوق دراسي، بل نتيجة رحلة طويلة خاضها طالب الثانوية العامة في ظروف استثنائية، جمع خلالها بين مسؤوليات الأسرة، وقسوة النزوح، ومحاولات مستمرة للعثور على مكان ووقت يستطيع فيهما الدراسة.
ليلة الركام
كانت بداية الحكاية في منزل العائلة بجباليا شمال قطاع غزة، حيث عادت الأسرة إلى بيتها بعد نزوح سابق، رغم تعرض جزء منه للدمار، وحاولت إصلاح ما يمكن إصلاحه للعودة إلى حياتها الطبيعية.
لكن الحرب لم تمنحهم فرصة الاستقرار طويلاً، إذ تعرض المنزل للقصف، ليجد أفراد العائلة أنفسهم تحت الركام.
تستعيد والدته هبة تلك اللحظات، وتقول إن همام كان من بين الذين تمكنوا من المساعدة في إخراج أفراد الأسرة، لكنه رفض المغادرة قبل إخراج جده من تحت الأنقاض.
"همام قال أبداً ما بطلع إلا لما أطلع سيدي من تحت الركام"، تقول هبة لصحيفة "فلسطين"، موضحة أن حجم الدمار كان كبيراً، وأن عملية إخراج العالقين تمت وسط ظروف بالغة الصعوبة.
بعد نجاتهم من المنزل، لم تنتهِ المحنة، فالعائلة كانت مصابة، واضطرت للسير في طريق خطر بعد تعذر وصول الإسعاف إليها، وسط إطلاق النار والقصف، حتى تمكنوا من الوصول إلى مكان أكثر أمناً.
طالب بلا مدرسة
بعد تلك التجربة، لم تكن عودة همام إلى الدراسة أمراً سهلاً. فقد بدأ عام التوجيهي وهو يحمل آثار الحرب والنزوح، بعيداً عن أجواء المدرسة المنتظمة أو البيئة التعليمية الطبيعية.
كان قد أنهى الصف الحادي عشر وبدأ الاستعداد للثانوية العامة، لكنه اضطر للنزوح مع عائلته إلى الجنوب، قبل أن يتمكن من الاستفادة من المركز الذي سجل فيه للدراسة.
يقول همام إن كل شيء تغير فجأة، فلم يلحق ببدء الدراسة كما كان مخططاً، لكنه حاول أن يصنع طريقه بنفسه.
"كنت لسه مسجل ودافع الفلوس للمركز، وبعديها على طول طلعنا، ما لحقناش ندرس ولا نعمل شيء".
في أماكن النزوح، لم يبحث همام عن الراحة بقدر ما بحث عن الكتب. حمل معه ما استطاع منها، وبدأ يجمع كتب الثانوية العامة من المنازل التي تركها أصحابها بعد النزوح.
"أخدت معي شوية كتب، وقعدت هناك أدور على كتب والحمد لله لقيت"، يقول همام.
كانت الدراسة تتم وسط ظروف قاسية، فلا مدارس قريبة تستقبل طلبة التوجيهي، ولا إنترنت مستقر يساعده على متابعة دروسه. وفي كثير من الأحيان كان يجلس قرب النوافذ بحثاً عن إشارة تمكنه من الوصول إلى المواد التعليمية.
مسؤولية أكبر من العمر
لم يكن همام طالباً يبحث عن النجاح لنفسه فقط، بل كان يتحمل مسؤوليات داخل أسرته باعتباره الابن الأكبر الموجود مع والدته وجده وجدته.
وفي ظل غياب والده الموجود في مصر، أصبحت عليه أدوار إضافية خلال فترة الحرب، من المساعدة في توفير الاحتياجات اليومية إلى محاولة تخفيف الأعباء عن والدته.
إلى جانب دراسته، اضطر همام إلى العمل للمساهمة في توفير تكاليف التعليم، فكان يعمل نهاراً ويدرس ليلاً.
وتقول والدته إن هذا الجمع بين العمل والدراسة كان مرهقاً جداً، لكنه لم يتراجع عن هدفه.
"كان أغلب وقته يدرس بالليل ويشتغل بالنهار".
أما تكلفة الدراسة فكانت تحدياً آخر، إذ احتاج إلى دروس في تسع مواد، وكانت تكلفة المادة الواحدة نحو 200 شيقل شهرياً، بما يقارب 1800 شيقل شهريا، وهو مبلغ شكّل عبئاً كبيراً على الأسرة.
فرحة بعد التعب
بعد عام طويل من القلق والتعب، جاءت لحظة إعلان النتائج، وحصل همام على معدل 93.1% في الفرع العلمي، لتتحول كل تلك الأيام الصعبة إلى لحظة فرح انتظرتها والدته.
لم تكن النتيجة بالنسبة لها مجرد علامة مدرسية، بل شهادة على صبر ابنها وقدرته على تجاوز ظروف لم تكن سهلة.
"شعور لا يوصف، لا فرح ولا زواج ولا أي فرحة تضاهيها"، تقول هبة، مؤكدة أن نجاح ابنها كان من أكثر اللحظات التي شعرت فيها بالفخر.
اليوم، ينظر همام إلى المرحلة المقبلة بعين مختلفة، ويحمل حلماً واضحاً يتمثل في دراسة الطب البشري، آملاً أن يحصل على منحة تساعده في الوصول إلى حلمه.
من منزل تهدم فوق رؤوس أهله، إلى رحلة نزوح حمل خلالها كتبه كما يحمل الإنسان آخر ما تبقى من أحلامه، أثبت همام خلف أن التعليم بالنسبة له لم يكن مجرد طريق إلى شهادة، بل كان وسيلة للتمسك بالحياة وبالمستقبل.

