ليلة الـ15 من فبراير/ شباط 2024، احتضن الطبيب ناهض أبو طعيمة زوجته وأطفاله السبعة للمرة الأخيرة، دون أن يدرك أن خروجه من مستشفى ناصر في مدينة خان يونس، جنوبي قطاع غزة، سيكون بداية غياب طويل. كان يعلم أن الخطر يقترب، وأن الفراق أصبح احتمالًا يزداد اقترابًا، لكنه لم يتخيل أن تلك الليلة ستكون الأخيرة مع عائلته.
بين جدران المستشفى المحاصر، حيث اختلط صوت القصف بأنين الجرحى، وقف الطبيب الذي أمضى سنوات في إنقاذ حياة الآخرين عاجزًا عن حماية عائلته من لحظة الوداع. تروي زوجته دكتورة النساء والتوليد راوية الحرازين، أن أصعب لحظة عاشتها، كانت عندما اضطر فيها زوجها إلى دفع عائلته للمغادرة بحثًا عن النجاة.
وتقول راوية لصحيفة "فلسطين": "في البداية قلت له لن أخرج، سأبقى معك، نموت معًا ولا نخرج إلى الشوارع لأننا لا نعرف ماذا سيحدث لنا. لكنه قال لي: إن واحدًا منا يجب أن يعيش، والأفضل أن تخرجي أنت والأولاد، وأوصاني بهم وخاصة يوسف ومحمد".
خرجت راوية مع أطفالها من مستشفى ناصر بعد منتصف الليل، تحمل حقيبة واحدة وبعض الأغراض، بينما بقي زوجها خلفها بين المرضى والجرحى والكوادر الطبية التي كانت تواجه حصارًا قاسيًا مصحوبًا بإطلاق النيران.
طبيب صاحب كفاءة
وقبل أن يعتقل أبو طعيمة ويزج به في غياهب السجون، كان أحد أبرز أطباء الجراحة في قطاع غزة. ولد عام 1976 في بلدة عبسان الكبيرة شرقي خان يونس، ودرس الطب في جامعة "خاركوف" في أوكرانيا، وتخرج في تخصص الجراحة العامة عام 2004-2005 بدرجة امتياز.
وعندما عاد إلى غزة، التحلق بمستشفى ناصر الطبي عام 2008، وسرعان ما أثبت كفاءة عالية مكنته من التدرج في المناصب حتى أصبح مدير الجراحات في المستشفى قبل الحرب.
وخلال الحرب، تولى إدارة المستشفى بالإنابة، كما ترأس لجنة الجودة ومكافحة العدوى في وزارة الصحة.
تقول زوجته: "كان محبوبًا جدًا بين زملائه ومرضاه، وكان الناس يثقون به لأنه كان طبيبًا مهنيًا وإنسانًا قريبًا من الجميع". كما أنه لم يكن خلال حصار مستشفى ناصر مديرًا فحسب، بل كان طبيبًا يقف في الصف الأول إلى جانب المرضى والنازحين.
وبينما تؤكد زوجته أن المستشفى تحول إلى مكان تجتمع فيه كل أشكال المعاناة، بسبب اكتظاظه بالنازحين والجرحى وسط نقص شديد في الأدوية والطعام والاحتياجات الأساسية.
وتستذكر موقفًا بقي عالقًا في ذاكرتها، حين بدأت المواد الغذائية تنفذ، وأصبح الجوع يطال الأطباء والعمال والنازحين داخل المستشفى، وتشير إلى أنه في أحد أيام الحرب والمجاعة التي رافقتها جاءت طفلة وقالت له: "خالو أنا جوعانة". كان بعض العمال في المستشفى قد أعدوا وجبة مجدرة بسيطة، فأخذ الطبق وأعطاه للطفلة ولم يأكل منه، رغم أنه جائعًا".
وتضيف: "كان يرى أن الأطفال والمرضى أولى بالطعام، وكان دائمًا يحاول أن يعطي من حوله قبل نفسه".
21 يومًا من الرعب
وكانت راوية قد وصلت إلى مستشفى ناصر مع أطفالها بعد رحلة نزوح قاسية، حوصرت خلالها في إحدى المدارس التي تحولت إلى مراكز إيواء، في حين كانت تعتقد أن المستشفى سيكون مكانًا أكثر أمنًا.
لكن الحصار لحق بهم، وتحول المستشفى إلى منطقة مغلقة لمدة 21 يومًا.
تقول: "رأينا الموت بأعيننا، لم نكن نستطيع الوصول إلى المصابين، ولا إنقاذ الناس في الخارج، وتفاقمت معاناة الجميع داخل المستشفى".
وبينت أن زوجها اضطر في إحدى المرات إلى الخروج بملابس مميزة وبإشارة تدل على أنه من الأطقم الطبية، ليساعد في حل مشكلة الصرف الصحي داخل المستشفى، مع علمه المسبق أن أي شخص يتحرك خارج المستشفى قد يكون مستهدفًا، لكنه كان يرى أن خدمة المرضى أمانة".
في السادس عشر من فبراير/ شباط 2024، اقتحمت قوات جيش الاحتلال مستشفى ناصر الطبي بعد فترة من الحصار، واعتقلت عددًا من الكوادر الطبية، بينهم الدكتور أبو طعيمة.
وتفيد زوجته نقلاً عن شهود العيان، أن عملية الاعتقال رافقتها إهانات وضرب للطواقم الطبية.
ولحظة الاعتقال، سأله أحد ضباط الاحتلال: أنت الدكتور ناهض أبو طعيمة مدير المستشفى. ومن ثم اعتقلوه وضربوه مع زملائه، ومن بينهم الدكتور غسان أبو زهري والدكتور أحمد موسى وآخرين".
وبحسب زوجته، نُقل المعتقلون بين عدة أماكن احتجاز، قبل وصولهم إلى سجن النقب، فيما بقيت العائلة لأشهر طويلة لا تعرف شيئًا عن مصيره.
تقول راوية: "لم يخبرنا الصليب الأحمر ولا أي جهة رسمية بمكان وجوده، وبقينا لا نعرف شيئًا عنه إلى أن تمكن محامي يتابع ملف الأطباء المعتقلين، من معرفة مكانه".
وبعد جهود قانونية، تمكن المحامي من زيارته ونقل بعض الرسائل بينه وبيننا، وفق راوية.
وتضيف: "كنت أطمئنه أننا بخير، وأن أبناءه أنهوا الثانوية ودخلوا الجامعات، حتى لا يبقى قلقًا علينا".
معاناة الأسير
وبحسب زوجته، يعاني الطبيب ناهض أبو طعيمة من ارتفاع ضغط الدم ومشكلات في نبضات القلب، وهو بحاجة إلى أدوية منتظمة قبل اعتقاله.
وتابعت حديثها: "كان وضعه الصحي صعبًا جدًا، وبقي فترة دون علاج، وبعد تدخل المحامي بدأ يحصل على الدواء، لكنه فقد الكثير من وزنه"، مبينة أن التحقيقات المتكررة تفاقم معاناته.
ورغم مرور السنوات، ما زالت زوجة الطبيب تستعيد تفاصيل الأيام الأخيرة في مستشفى ناصر، خاصة كلما دخلت أقسام الجراحة والحروق. وتقول: "في كل مرة أدخل المستشفى أبكي عندما أتذكر لحظة وداعه وهو يمشي معنا ثم بقي خلفنا صامدًا حفاظًا على مسؤوليته الأخلاقية تجاه النازحين والمصابين".

