فلسطين أون لاين

بالصور من بئر 19 إلى الغسيل الكلوي.. رحلة رجل سبعيني تجرّه دابة في غزة

...
من بئر 19 إلى الغسيل الكلوي.. رحلة رجل سبعيني تجرّه دابة في غزة (تصوير: تامر قشطة)
خانيونس/ تامر قشطة:

منذ ساعات الصباح الأولى، يبدأ فتحي حجي (77 عاماً) رحلة شاقة لا تشبه رحلات المرضى إلى المستشفيات في الظروف العادية. يجلس الرجل السبعيني على كرسي متحرك، في حين تُثبّت إلى جانبه جرة أكسجين، ويُحمّل الكرسي فوق عربة تجرّها دابة، في رحلة تمتد من منطقة بئر 19 في مواصي خانيونس، جنوبي قطاع غزة، إلى مركز هند الدغمة للفشل الكلوي في مجمع ناصر الطبي.

ثلاث مرات أسبوعياً، يقطع حجي هذه المسافة للوصول إلى جلسة غسيل الكلى، في رحلة باتت جزءاً من معركته اليومية من أجل البقاء، وسط ظروف إنسانية وصحية قاسية فرضتها الحرب المستمرة على قطاع غزة.

يجلس حجي على كرسيه المتحرك، شاحب الوجه، ويراقب الطريق بصمت، في حين تتقدم العربة ببطء تحت أشعة الشمس. بالنسبة إليه، لا تبدأ معاناة الغسيل الكلوي داخل المستشفى، بل منذ لحظة مغادرته خيمته.

923c1b0f-dcea-4dd4-89af-d326d086bf70.jfif
 

يقول حجي إن الطريق إلى مركز الغسيل يمثل رحلة مؤلمة، مشيراً إلى معاناته من إرهاق شديد، وتعرضه أحياناً لحالات من الهذيان نتيجة التعرض لأشعة الشمس، فضلاً عن المضاعفات التي يشعر بها في أثناء جلسات الغسيل الكلوي وبعدها.

ويضيف حجي لصحيفة "فلسطين" أن جسده لم يعد يحتمل مشقة التنقل، خصوصاً في ظل إصابته بكسر في مفصل ساقه وحاجته الدائمة إلى الأكسجين، إلا أن التوقف عن جلسات الغسيل ليس خياراً متاحاً أمامه.

كان حجي يعيش في حي الزيتون شرق مدينة غزة، حيث امتلك 45 دونماً من الأراضي الزراعية، تنتشر فيها أشجار زيتون يُقدّر عمر بعضها بنحو 400 عام. لكن الحرب لم تُبقِ له منزلاً ولا أرضاً.

جُرّف منزله، ودُمّرت أرضه وأشجار الزيتون التي ارتبطت بذاكرة عائلته لعقود طويلة، ليجد نفسه مضطراً إلى النزوح جنوباً بحثاً عن مكان أكثر أمناً. وخلال رحلة النزوح، أُصيب بكسر في المفصل، قبل أن تتدهور حالته الصحية لاحقاً ويُصاب بالفشل الكلوي في يناير/كانون الثاني 2026.

ومنذ ذلك الوقت، أصبح الغسيل الكلوي جزءاً ثابتاً من حياته. ويحتاج مرضى الفشل الكلوي إلى جلسات منتظمة لتنقية الدم من الفضلات والسوائل الزائدة التي تعجز الكلى عن التخلص منها. وقد يؤدي أي تأخير أو انقطاع في هذه الجلسات إلى مضاعفات صحية خطيرة، ما يجعل الوصول إلى مراكز الغسيل تحدياً لا يقل خطورة عن المرض نفسه.

في غزة، يواجه مرضى الكلى ظروفاً أكثر تعقيداً بسبب تضرر القطاع الصحي ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية، فضلاً عن صعوبة التنقل وارتفاع درجات الحرارة وتدهور الأوضاع المعيشية.

ويقول الدكتور رائد مصلح، استشاري أمراض الكلى في مجمع ناصر الطبي، إن مرضى الفشل الكلوي يعانون نقصاً مستمراً في الأدوية والمستهلكات الطبية اللازمة لجلسات الغسيل، مشيراً إلى أن مادة البيكربونات من بين المستلزمات التي تواجه نقصاً، رغم أهميتها في عملية الغسيل الكلوي.

a89be0fa-b28e-4186-8ef1-cc2cf8068da5.jfif
 

ويوضح مصلح لـ"فلسطين" أن نحو 250 مريضاً بالفشل الكلوي يتلقون جلسات الغسيل في مركز هند الدغمة، بواقع نحو 45 مريضاً يومياً، مؤكداً أن المرضى يواجهون، إلى جانب مشكلاتهم الصحية، سوء تغذية يفاقم أوضاعهم ويزيد من هشاشتهم أمام مضاعفات المرض.

ويحتاج مرضى الغسيل الكلوي إلى رعاية غذائية وصحية خاصة، إذ يمكن أن يؤدي سوء التغذية إلى ضعف المناعة والعضلات، ويحدّ من قدرة الجسم، المحدودة أصلاً، على مقاومة الأمراض والمضاعفات. لكن الحصول على الغذاء المناسب بات تحدياً إضافياً في قطاع يعاني أزمة إنسانية واسعة ونقصاً حاداً في الموارد الأساسية.

بالنسبة إلى فتحي حجي، لم تعد خسارة الأرض والمنزل وأشجار الزيتون القديمة وحدها ما يثقل كاهله. فقد حمل معه إلى خيمته ذاكرة المكان، ومرضاً يفرض عليه رحلة متكررة بين الألم والانتظار.

وفي كل مرة يغادر فيها منطقة بئر 19 متجهاً إلى مجمع ناصر الطبي، يجلس على كرسيه المتحرك، وترافقه جرة الأكسجين، في حين تجرّه عربة بطيئة فوق طرق النزوح.

رحلة رجل في السابعة والسبعين، فقد أرضه ومنزله وأشجار زيتونه، لكنه لا يزال متمسكاً بالحياة؛ جلسة غسيل كلوي تلو أخرى.

المصدر / فلسطين أون لاين