في غزة، لا يصنع الأبطال الميدان وحده، فثمّة من يقاتل بقلم، كما يقاتل غيره ببندقية، هنا، قد تصبح حقيبة المدرسة سلاحًا، والكتاب خندقًا، والورقة البيضاء جبهة لا تقل شراسة عن خطوط النار.
حين بدأت حرب الإبادة، لم يترك طلاب غزة مدارسهم، وبيوتهم بإرادتهم، فقد خرجوا من غرفهم، ومن مكاتبهم، ومن أحلامهم الصغيرة التي كانوا يرسمونها على جدران المنازل، إلى خيام لا تقي حرًا ولا بردًا، في حين ظن الاحتلال أن من يهدم البيت يهدم المستقبل، وأن من يحوّل المدرسة إلى ركام يطفئ حلم التعليم.
لكنه لم يعرف غزة، ولم يعرف أبطالها، حتى جاءت لحظة إعلان نتائج الثانوية العامة، ليبرز أبطال عاشوا بين الركام، وافترشوا الطرقات، وآوتهم خيام القماش من القنابل وزخات الرصاص.
بينما كان العالم يرى ركام البيوت، كان طلاب الثانوية العامة في غزة يرون مستقبلًا يستحق أن يقاتلوا من أجله، إذ لم تكن الحرب مجرد أصوات انفجارات، بل كانت امتحانًا يوميًا للإرادة. انقطاع الكهرباء، وانقطاع الإنترنت، والجوع، والخوف، وفقدان الأحبة، والنزوح المتكرر... كلها كانت تقول لهم: توقفوا، لكنهم كانوا يجيبون بالفعل لا بالكلام، ويواصلون الدراسة
لهذا، لم يكن النجاح هذا العام مجرد نتيجة امتحان، بل كان انتصارًا على واقع أراد أن يهزمهم.
وحين ظهرت النتائج، لم تفرح غزة بالعلامات وحدها، بل فرحت لأنها أثبتت مرة أخرى أن الحرب قد تهدم المدارس، لكنها لا تستطيع أن تهدم العقول، وأن القصف قد يسقط الجدران، لكنه يعجز عن إسقاط الإرادة.
ومن بين هؤلاء الأبطال كانت تالا... بطلتي.
حصلت على 97%، لكنها لم تصل إليها من غرفة هادئة، ولا من مكتب مرتب، ولا تحت ضوء مصباح ثابت، فقد تركت تالا غرفتها ومنضدة دراستها في بيت أصبح ركامًا يوم خرجنا منه نازحين، حين حوّله الاحتلال إلى كومة من التراب، لكن ما لم يستطع أن يهدمه كان عزيمتها.
كانت إرادتها أصلب من قماش الخيمة، وأقوى من الجدران التي سقطت قبل أن تكتمل أحلامها. صنعت من الخيمة غرفة دراسة، ومن الألم دافعًا، ومن الخوف يقينًا بأن المستقبل لا يُهدى، بل يُنتزع بالصبر.
كانت القنابل تنهمر على أهل غزة كالمطر، وكانت تفتح كتابها، كان صوت الانفجارات يسبق هدوء الليل، لكنها كانت تسبق اليأس بالإرادة، لم تكن تذاكر في ظروف طبيعية، بل كانت تخوض معركة حياة، وكان النجاح أحد وجوه الانتصار فيها.
لم تكن تالا استثناءً، بل كانت واحدة من آلاف الطلاب الذين كتبوا نجاحهم بين الركام، وأثبتوا أن العلم، في غزة، شكل آخر من أشكال الصمود.
لم تكن نتائج الثانوية العامة في غزة مجرد أرقام، بل شهادات صمود، تؤكد أن الحرب قد تهدم البيوت والمدارس، لكنها تعجز عن هزيمة الإرادة، ولا تستطيع أن تمنع شعبًا قرر أن يصنع مستقبله رغم كل شيء.
وهكذا يبقى ظريف الطول حاضرًا في زماننا الصعب، لا يحمل السلاح وحده، بل يحمل الكتاب أيضًا، ويبني للمستقبل شعبًا محاصرًا تحت الموت، في ظل صمت عالمي مريب. فالرسالة لا تتغير: أن غزة، مهما اشتد عليها الخراب، لا تتوقف عن صناعة الأبطال.

