لم يكن إعلان نتائج الثانوية العامة في قطاع غزة هذا العام يشبه أي عام مضى. ففي الوقت الذي امتلأت فيه خيام النزوح بأصوات التكبير والتهاني، كانت خيمة صغيرة غرب مخيم النصيرات تحتضن فرحة استثنائية لعائلة الطالب أحمد بلال التركماني (18 عاما)، الذي انتزع النجاح بنسبة 90% في الفرع العلمي، متحديا الحرب والنزوح والفقدان وكل ما حاول أن يقف بينه وبين حلمه.
لم تعد لعائلة التركماني أبواب تفتح لاستقبال المهنئين، ولا جدران تعلق عليها صور النجاح، بعدما دمرت طائرات الاحتلال الإسرائيلي منزلها في مخيم النصيرات خلال حرب الإبادة على قطاع غزة. أصبحت الخيمة بيتهم المؤقت، لكنها تحولت في الوقت ذاته إلى فصل دراسي وغرفة للمذاكرة ومكان تختلط فيه الدموع بالأمل.
منذ ساعات الصباح الأولى، توافد الأقارب والجيران إلى الخيمة لتهنئة أحمد. لم تكن هناك زينة أو مظاهر احتفال كبيرة، لكن الابتسامات التي ارتسمت على وجوه أفراد العائلة كانت كافية لتعبر عن حجم الإنجاز. تعالت الزغاريد بين صفوف الخيام، بينما كان الأطفال يتجمعون حول أحمد لتهنئته، في مشهد اختلطت فيه مشاعر الفرح بذكريات الحرب التي ما تزال حاضرة في كل زاوية من المكان.
وسط هذا المشهد، جلس أحمد ممسكا بهاتفه النقال وهو ينظر إلى نتيجته المرصودة، ينظر إليها مرارا وكأنه يتأكد أن ما يراه حقيقة وليس حلما مؤجلا.
يقول أحمد لصحيفة "فلسطين": "كل صفحة درستها داخل هذه الخيمة كانت معركة صغيرة ضد الحرب. كنت أراجع دروسي بينما أسمع أصوات القصف أحيانا، وأحيانا أخرى كنت أضطر إلى التوقف للذهاب لإحضار المياه أو مساعدة أسرتي في تأمين الطعام، لكنني كنت أعود دائما إلى كتبي لأنني كنت مؤمنا أن العلم هو الطريق الوحيد الذي لا يستطيع الاحتلال مصادرته".
لم تكن حياة النزوح سهلة بالنسبة له. فمع ارتفاع درجات الحرارة في الصيف، كانت الخيمة تتحول إلى مساحة خانقة يصعب الجلوس فيها لساعات طويلة، بينما كانت برودة الشتاء تتسلل من كل الجهات. ورغم ذلك، حاول أن يحافظ على ساعات ثابتة للمراجعة، مستغلا أي لحظة هدوء تسمح له بالتركيز.
ويضيف: "لم تكن لدينا طاولة للدراسة ولا غرفة هادئة، كنت أذاكر في أي زاوية أجدها مناسبة داخل الخيمة. أحيانا كنت أرفع كتبي عن الأرض حتى لا تتلف، وأحيانا أخرى كنت أراجع دروسي على ضوء خافت، لكنني كنت أقول لنفسي إن هذه الظروف مؤقتة، أما النجاح فسيبقى معي طوال العمر".
ويؤكد أحمد أن الفضل الأول في هذا النجاح يعود إلى والدته سامية التركماني، التي تحملت مسؤولية الأسرة كاملة في ظل غياب والده المغترب منذ سنوات.
ويقول وهو ينظر إلى والدته بعينين امتلأتا بالامتنان: "أمي هي بطلة هذه النتيجة. لم تكن تكتفي بتشجيعي، بل كانت تراجع معي الدروس وتتابعني يوميا، وفي الوقت نفسه كانت تعمل في أكثر من مهنة حتى توفر احتياجاتنا الأساسية، وكانت ترفض تماما أن أترك الدراسة لأعمل. كانت تقول لي دائما: مهمتك الوحيدة الآن أن تنجح، أما بقية المسؤوليات فسأتحملها أنا".
أما والدته، فلم تستطع إخفاء دموعها وهي تستقبل المهنئين داخل الخيمة. وبينما كانت توزع التهاني والابتسامات، قالت: "كنت أرى التعب في عيني أحمد كل يوم، لكنني كنت أرى أيضا إصراره. كنت أخاف أن تقهره الظروف، لكنه كان يفاجئني بقوته. كنت أعمل من أجل أن أوفر له فرصة واحدة فقط، وهي أن يبقى طالبا ولا يضطر إلى ترك كتبه بحثا عن لقمة العيش".
وأضافت: "اليوم أشعر أن كل ساعات التعب والسير والعمل كانت تستحق. صحيح أننا فقدنا منزلنا، لكننا لم نفقد أبناءنا ولا أحلامهم، وهذا النجاح هو أكبر تعويض يمكن أن أحصل عليه".
ورغم الفرحة، لا يخفي أحمد قلقه على مستقبله الأكاديمي في ظل الدمار الواسع الذي لحق بقطاع التعليم والجامعات في غزة. لذلك، يقول إن هدفه المقبل هو استكمال دراسته الجامعية خارج القطاع.
ويقول: "أحلم بأن أدرس في جامعة توفر لي بيئة تعليمية مستقرة، لأن الحرب دمرت كثيرا من الجامعات والمؤسسات التعليمية في غزة. أريد أن أكمل تعليمي وأعود يوما لخدمة شعبي، فالعلم بالنسبة لي ليس إنجازا شخصيا فقط، بل مسؤولية تجاه وطني".
وعندما سئل لمن يهدي نجاحه، توقف للحظات قبل أن يجيب بصوت اختلط فيه الفخر بالحزن: "أهدي هذا النجاح إلى أمي أولا، فهي صاحبة الفضل الأكبر بعد الله، وأهديه أيضا إلى أرواح الشهداء من الطلاب الذين لم يتمكنوا من إكمال أحلامهم لأن الاحتلال قتلهم. كنت أدرس وأنا أفكر في زملائي الذين كانت مقاعدهم الدراسية تنتظرهم، لكنهم رحلوا قبل أن يروا نتائج تعبهم".
في خيمة لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء، كتبت عائلة التركماني فصلا مختلفا من حكاية الصمود الفلسطينية. لم تستطع الحرب أن تمنع الطالب أحمد من الوصول إلى يومه المنتظر، ولم ينجح النزوح في إطفاء شغفه بالعلم. وبينما يلتقط صورة شاشة لنتيجته ليحتفظ بها، يبدو أن هذه النسبة ليست مجرد رقم، بل شهادة على أن الأحلام، مهما حوصرت، تستطيع أن تجد طريقها إلى الحياة.

