في قلب الخيام الممتدة على رمال غزة، تحولت حرارة الصيف إلى معاناة يومية تضيف طبقة جديدة من الألم فوق جراح الحرب والنزوح. تحت أشعة الشمس الحارقة التي تضرب أقمشة الخيام الرقيقة، تتحول أماكن الإيواء المؤقتة إلى مساحات مغلقة تختزن الحرارة وتمنع الهواء من التسلل، فيجد النازحون أنفسهم أمام خيارين كلاهما قاسٍ: البقاء داخل خيمة تختنق بحرارتها، أو الخروج إلى العراء بحثا عن نسمة هواء تحمي أجسادهم المنهكة.
خلال هذه المعاناة القاسية تواجه الأجساد المنهكة، ولا سيما الأطفال وكبار السن، الجفاف والإرهاق والأمراض الجلدية، في حين تتصاعد معاناتهم مع نقص حاد في المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي الأساسية. هذه الخيام، التي بالكاد تقي من برد الشتاء، تفشل فشلاً ذريعاً في توفير أي حماية من حرارة الصيف القاسية.
وكانت الأمم المتحدة قد حذرت من أن النازحين في غزة محاصرون بين حرارة الخيام وصرف صحي معطل ومياه ملوثة . وقد أدت درجات الحرارة المرتفعة، التي وصلت إلى حوالي 40 درجة مئوية، إلى تفاقم الأوضاع الصحية، إذ ظهرت أمراض مثل الجفاف والصداع الشديد والإرهاق العام، وفي بعض الحالات، أدت إلى وفاة أطفال بسبب الجفاف الشديد. كما أن التكدس الكبير داخل مراكز الإيواء وتلوث مياه الاغتسال والشرب أديا إلى انتشار أمراض جلدية مثل الجرب، ونزلات معوية حادة، والتهاب الكبد الوبائي.
الهروب إلى شاطئ البحر
محمد أبو ريالة، رجل في أواخر الأربعينات من عمره، كان يعيش حياة هادئة مع عائلته في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة. لكن الحرب دمرت منزله، وحولته إلى ركام، ليجد نفسه وعائلته المكونة من سبعة أفراد نازحين في مخيم إيواء مؤقت في المنطقة ذاتها.
ومع حلول شهر يوليو، تحولت خيمتهم الصغيرة إلى ما يصفه محمد بـ"فرن ملتهب لا يُطاق". يصف أبو ريالة معاناته لصحيفة "فلسطين": "لا أستطيع أن أجلس دقيقة واحدة داخل الخيمة من السابعة صباحاً حتى مغيب الشمس. الحرارة خانقة، والهواء ثقيل، وكأننا نُشوى ببطء".
يضطر أبو ريالة وأفراد أسرته قضاء معظم وقته على شاطئ البحر، ليس للاستجمام كما يفعل الناس في الظروف العادية، بل "هرباً من حياة الخيام المريرة التي لا ترحم". يجلسون هناك لساعات طويلة، محاولين أن يجدوا بعض النسمات الباردة التي تخفف من وطأة الحر على أجسادهم. يضيف أبو ريالة "البحر هو متنفسنا الوحيد، لكنه ليس حلاً دائماً. كيف يمكن لأطفالنا أن يعيشوا في هذه الظروف؟ لقد فقدنا كل شيء، منازلنا، أماننا، وحتى كرامتنا في بعض الأحيان".
يناشد أبو ريالة المجتمع الدولي بسرعة إعمار قطاع غزة، مؤكداً أن "الوضع لا يحتمل المزيد من التأخير. كل يوم يمر هو معاناة جديدة، وكل ليلة هي كابوس". كما وجه نداءً عاجلاً إلى كافة الجهات الدولية "لإدخال بدائل سكنية لغزة تقينا من حياة الخيام هذه. نحن بحاجة إلى مأوى يحمينا من الحر والبرد، مأوى يوفر لأطفالنا بيئة صحية وآمنة".
يختتم أبو ريالة حديثه بكلمات ممزوجة بالألم: "نحن بشر، نستحق أن نعيش بكرامة، وليس في أفران حارقة أو تحت رحمة الحشرات والأمراض".
صراع مع العطش والحرارة
وفاء عابد، تجسد صمود المرأة الفلسطينية في وجه المحن. تعيش عابد في مخيم إيواء للنازحين في حي النصر غرب مدينة غزة، بعد أن فقدت زوجها خلال الحرب، وأصبحت الآن المعيل الوحيد لأسرتها المكونة من 5 أفراد. تصف عابد حياتها في الخيام بأنها "جحيمية بكل ما تحمله الكلمة من معنى".
تقول عابد لصحيفة "فلسطين": "كل يوم هو صراع جديد من أجل البقاء. الحرارة لا تُطاق، خاصة على أطفالي الصغار الذين لا يفهمون لماذا نعيش هكذا".
تحاول عابد جاهدة توفير بدائل للتخفيف من وطأة الحر على أطفالها. اشترت مروحة صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، لكنها سرعان ما اكتشفت أنها "ليست ذات جدوى داخل الخيام. إنها تنتج هواءً ساخناً يزيد من لهيب الحر بدلاً من أن تخففه". تشعر السيدة بالإحباط وهي ترى أطفالها يتصببون عرقاً، وجوههم شاحبة من الإرهاق "حاولت ملء وعاء كبير بالماء من أجل منح أطفالي فرصة للاستحمام والتغطيس للتخفيف من وطأة الحر، لكنني اصطدمت بواقع عدم توفر المياه حتى للاحتياجات الضرورية".
تضيف عابد بأسى: "عدم توفر المياه يزيد من حدة المعاناة. كيف يمكننا أن نحافظ على نظافة أطفالنا وصحتهم في ظل هذا النقص الحاد؟ حتى الشرب أصبح رفاهية في بعض الأحيان".
تتحدث عن ليالي الصيف الطويلة التي تقضيها مستيقظة، تراقب أطفالها وهم يتقلبون في نومهم المتقطع، تحاول أن تهون عليهم بيديها المنهكتين "أحلم بقطرة ماء باردة، بظل يحمينا، ببيت يعيد لنا كرامتنا. هل هذا كثير؟" تتساءل وعيناها تدمعان من شدة القهر.
حشرات وأمراض جلدية
عبد الرحمن مهنا، أب لثلاثة أطفال، يعيش معاناة مختلفة مع حر الصيف في خيمته الواقعة في أحد مخيمات النزوح. فمع ارتفاع درجات الحرارة، تنشط الحشرات والزواحف داخل خيمته وتخرج من ملاجئها الصغيرة بحثاً عن الهواء، الأمر الذي أصاب أفراد أسرته بالأمراض الجلدية أكثر من مرة. يقول مهنا لصحيفة "فلسطين" بأسى: "الحشرات تنتشر بشكل أكبر كثيراً في ذروة الحر. البعوض والذباب والبراغيت والعقارب، كلها أصبحت جزءاً من حياتنا اليومية. لا يوجد مكان آمن منها".
يروي مهنا حادثة مؤلمة حدثت قبل نحو أسبوع: "طفلتي البالغة 14 عاماً أصيبت بلدغة من عقرب. كان مشهداً مرعباً. اضطررت لاصطحابها إلى أقرب مركز طبي، حيث أبلغوني أن حالتها مستقرة وقد شفيت، لكن الخوف لا يزال يسيطر علينا". هذا الحادث ليس الوحيد، فجميع أفراد أسرته مصابون بالأمراض الجلدية "تنتشر القرصات في كافة أنحاء أجسادهم، والحكة لا تتوقف. نحاول استخدام بعض الأدوية المتاحة، لكنها بالكاد تخفف من الألم".
يصف مهنا حياة الخيام بأنها "مريرة ويجب وضع حد لها سريعاً". يضيف: "نحن نعيش في بيئة غير صحية على الإطلاق. الأمراض تنتشر بسرعة، والأطفال هم الأكثر تضرراً. كيف يمكننا أن نحمي أطفالنا من هذه المخاطر؟". يتحدث عن الليالي التي يقضيها ساهراً، يحاول طرد الحشرات من الخيمة، لكن جهوده تبدو بلا جدوى "نحن بحاجة إلى حل جذري. هذه ليست حياة كريمة. يجب على العالم أن يرى معاناتنا ويتدخل لإنقاذنا من هذا الواقع المرير".

