فلسطين أون لاين

خيام تحت النار.. نازحو مواصي خانيونس يواجهون الرصاص والعطش

...
طفل يحمل طلق ناري طلقته قوات الاحتلال على خيام النازحين في مواصي خانيونس
خانيونس/ تامر قشطة:

بين خيام متلاصقة، وأصوات إطلاق نار لا يعرف سكانها متى تبدأ أو تنتهي، يواصل نازحون فلسطينيون الإقامة في مخيمات قرب منطقة المواصي غرب مدينة خانيونس، جنوبي قطاع غزة، بالرغم المخاطر المتزايدة التي تحيط بحياتهم، مع استمرار إطلاق النار الإسرائيلي المتواصل على المنطقة.

يقول سكان في مخيمي البرج واليمامة ومناطق أخرى في المواصي إن خيامهم تتعرض لإطلاق نار شبه يومي، ما أدى خلال الأيام الماضية إلى سقوط شهداء وجرحى، في حين يجد المصابون أنفسهم أمام رحلة جديدة من المعاناة تبدأ بعد الإصابة، مع صعوبة الوصول إلى سيارات الإسعاف ووسائل النقل.

ويقول محمد أبو ظاهر، في أثناء عودته إلى المخيم لصحيفة "فلسطين"، إن الرصاص الطائش حوّل حياة سكان المنطقة إلى جحيم، مضيفًا: "الإنسان بصحى من النوم يستغفر ربه ويبحث عن رزقه، لكن إحنا بنصحى على الضخ والإصابات والشهداء بالمخيم".

ويضيف أبو ظاهر: "أحيانًا أنتظر خارج المخيم حتى يتوقف إطلاق النار، حياتنا انقلبت رأسًا على عقب، لا سيارات مياه حلوة ولا باعة خضرة بيجوا على المخيم".

ولا يقتصر أثر إطلاق النار على سقوط الضحايا، إذ باتت المخاطر الأمنية تعيق وصول الخدمات الأساسية إلى المخيمات، في وقت يعتمد فيه النازحون على شاحنات المياه وباعة الخضار المتجولين لتأمين احتياجاتهم اليومية. ومع تراجع قدرة هؤلاء على الوصول إلى المناطق القريبة من خطوط التماس، يجد السكان أنفسهم محاصرين بين خطر الرصاص وشح الاحتياجات الأساسية.

وفي أحد أزقة المخيم، صاح أبو علاء شيخ العيد على أطفاله وآخرين من السكان مطالبًا إياهم بالانبطاح أرضًا والاحتماء من الرصاص، في مشهد بات جزءًا من الحياة اليومية للنازحين.

ويقول شيخ العيد لـ"فلسطين": "مخيمنا كل يوم فيه إصابات، واللي بتصاوب ما بلاقي سيارة ولا إسعاف ينقله إلى المستشفى".

ويضيف أنه شارك، برفقة آخرين، خلال الأسبوعين الماضيين، في نقل نحو 15 جريحًا إلى مسافات تجاوزت كيلومترًا واحدًا، بعد تعذر وصول سيارات الإسعاف إلى أماكن الإصابات.

ويقول: "كنا نحمل المصابين على الأكتاف ونمشي في ظروف خطيرة، لأن المصاب لا يستطيع الانتظار، وفي الوقت نفسه لا توجد وسيلة نقل قادرة على الوصول إليه".

ويعكس ذلك واقعًا إنسانيًا شديد القسوة يعيشه النازحون في مناطق المواصي، حيث لا تنتهي معاناة السكان عند حدود الخيمة، بل تمتد إلى صعوبة الحصول على العلاج والمياه والغذاء، في ظل استمرار الحرب وتدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية وتعطل كثير من الخدمات.

وعاد الجريح سليمان أبو عاذرة إلى خيمته داخل مخيم البرج، في محاولة لمداواة جراحه، بعدما أصيب قبل أيام برصاصة في ساقه أمام خيمته.

ويقول أبو عاذرة، وهو مدرس متقاعد يبلغ من العمر 75 عامًا، إن الرصاصة التي أصابته أصابت اثنين من جيرانه أيضًا، مشيرًا إلى أن حياته تحولت إلى جحيم منذ إصابته، إذ لم يعد قادرًا على المشي بصورة طبيعية.

ويضيف لـ"فلسطين"، أن إصابته لم تكن الخطر الوحيد الذي يواجهه، إذ توقفت خدمات شاحنات المياه المحلاة والباعة الجائلين عن الوصول إلى المخيم، ما زاد من صعوبة الحياة على السكان، ولا سيما كبار السن والمرضى والجرحى.

ويقول أبو عاذرة: "أنا رجل كبير في السن، وأصبت في ساقي، ولا أستطيع المشي كما كنت، وحتى أبسط احتياجاتنا أصبحت صعبة، فالمياه لا تصل والباعة يخافون من الدخول إلى المنطقة".

وفي أحدث التطورات، أصيب ثلاثة فلسطينيين، بينهم طفل، بنيران إسرائيلية في جنوب مواصي خانيونس، حيث يقطن أبو عاذرة، في حين استشهد مفيد أبو العنين بنيران إسرائيلية قرب خيمته في منطقة بئر 19 بمواصي خانيونس، وفق ما أفاد به سكان المنطقة.

وتحوّلت مناطق واسعة من المواصي إلى ملاذ للنازحين الذين فروا من مناطق مختلفة في قطاع غزة خلال حرب الإبادة المتواصلة، غير أن استمرار العمليات العسكرية وإطلاق النار جعل هذه المناطق، التي لجأ إليها المدنيون بحثًا عن الأمان، عرضة لمخاطر متكررة.

ويقول النازحون إنهم يعيشون في حالة خوف دائم، فلا يستطيعون مغادرة خيامهم بسهولة، ولا يملكون في الوقت نفسه القدرة على الانتقال إلى أماكن أخرى، في ظل اتساع رقعة الدمار وغياب البدائل الآمنة.

وبينما يحاول السكان تأمين قوت يومهم، يظل صوت الرصاص حاضرًا في تفاصيل حياتهم اليومية، يوقظ الأطفال من نومهم، ويجبر العائلات على الاحتماء داخل خيام لا توفر حماية حقيقية، فيما يضطر الجرحى إلى انتظار المساعدة أو نقلهم على الأكتاف لمسافات طويلة.

في المواصي، لا تبدو الخيمة مكانًا للسكن فحسب، بل مساحة معلقة بين الحياة والموت؛ يقيم فيها النازحون تحت خطر مستمر، ويحاولون رغم ذلك مواصلة حياتهم، بحثًا عن الماء والطعام والعلاج، في انتظار يوم يتمكنون فيه من النوم دون أن يستيقظوا على أصوات الرصاص أو أخبار إصابة جديدة.

المصدر / فلسطين أون لاين