فلسطين أون لاين

كارثة إنسانية يسببها الاحتلال

بين الحر والعطش.. أهالي غزة يصارعون للحصول على قطرة ماء

...
أزمة المياه تهدد حياة مئات آلاف النازحين بمخيمات النزوح في قطاع غزة
غزة/ عبد الله التركماني:

تتحول أزمة المياه في قطاع غزة إلى كابوس يومي يهدد حياة مئات آلاف النازحين في المخيمات مع اشتداد حر الصيف اللاهب، إذ تعتمد مراكز الإيواء اعتمادا كبيرا على الآبار الجوفية لتلبية احتياجاتها الأساسية من المياه، ولكن مع توقف مولدات الطاقة الخاصة بالأحياء السكنية عن العمل، بسبب النقص الحاد في الزيوت الصناعية وقطع الغيار، تشتد الأزمة أكثر فأكثر، لتدخل إلى مرحلة "التعطيش" الحقيقي.

هذا الوضع لا يقتصر على نقص مياه الشرب فحسب، بل يمتد ليشمل جميع جوانب الحياة اليومية، من النظافة الشخصية إلى تحضير الطعام، ما ينذر بكارثة إنسانية وصحية وشيكة.

وتسببت حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة، التي بدأت في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، في دمار هائل وغير مسبوق في البنية التحتية المدنية، وكان قطاع المياه والصرف الصحي من بين الأكثر تضرراً. تشير الإحصاءات والتقارير الحديثة إلى تدمير 725 بئر مياه على مستوى بلديات قطاع غزة، وخروج العديد من محطات التحلية عن الخدمة بسبب النقص الحاد في الوقود وزيوت المولدات وقطع الغيار، بالإضافة إلى تهالك المولدات نتيجة التشغيل المتواصل.

كما تراجعت نسب إنتاج المياه إلى 70% نتيجة التدمير الواسع للبنية التحتية ونقص الوقود وقطع الغيار. كما أن كميات المياه المضخة حاليًا لا تتجاوز 20% من مستويات ما قبل الحرب.

ويهدد شح الزيوت الصناعية وقطع الغيار بشلل مولدات الكهرباء ومحطات المياه والمخابز بقطاع غزة، إذ ارتفع سعر لتر الزيت الصناعي من حوالي 12 شيكلاً قبل الحرب إلى 2200 شيكل اليوم.

صراع يومي

في مخيم الصامدون لإيواء النازحين غرب مدينة غزة، حيث تتراص الخيام تحت أشعة الشمس الحارقة، يعيش عبد الحميد أبو عطوة، الرجل الأربعيني الذي يعيل أسرة مكونة من خمسة أفراد. يقول أبو عطوة لصحيفة "فلسطين" وقد ارتسمت على وجهه علامات التعب والإرهاق: "الحياة هنا أصبحت صراعًا يوميًا من أجل قطرة ماء. كل صباح، أستيقظ والقلق ينهشني: كيف سأوفر الماء لأطفالي اليوم؟".

يبلغ نصيب أسرته من المياه في المخيم 500 لتر فقط كل ثلاثة أيام، وهي كمية "لا تكفي لسد أدنى احتياجات أسرتي"، كما يؤكد أبو عطوة. يضيف: "هذه الكمية بالكاد تكفي للشطف وغسل الملابس والجلي، فماذا عن الاغتسال والوضوء؟ أحيانًا نضطر إلى استخدام المياه الملوثة أو تقنين استخدامها بشكل قاسٍ، ما يعرضنا للأمراض".

WhatsApp Image 2026-07-18 at 6.26.22 PM22.jpeg
 

تزداد معاناته بسبب عطل مولد الطاقة الذي يعتمد عليه المخيم لاستخراج المياه من الآبار، ويقول: "إدارة المخيم تعاني بشدة من هذا العطل، والسبب هو عدم توفر الزيوت الصناعية اللازمة لتشغيله"، يضيف أبو عطوة "قبل الحرب، لم نكن نتخيل أن الزيت سيكون أغلى من الذهب، وأن حياتنا ستتوقف على توافره".

في الأيام التي لا تتوفر فيها المياه، يضطر أبو عطوة إلى رحلة شاقة ومضنية "أحيانًا أضطر لنقل المياه من أقرب مصدر مياه باستخدام الجالونات اليدوية، من مسافة لا تقل عن نصف كيلومتر"، يروي وهو يتذكر ثقل الجالونات على كتفيه تحت حرارة الشمس الحارقة "أعود إلى الخيمة منهكًا، ويدي متشققة، ولكن لا خيار آخر. أطفالي ينتظرون، والعطش لا يرحم". هذه الرحلة تتكرر مرارًا وتكرارًا، وتستنزف منه كل طاقته الجسدية والنفسية، في ظل غياب أي حلول جذرية تلوح في الأفق.

كفاح جماعي

في كراج أسفل منزل شبه مدمر في حي النصر شمال غرب مدينة غزة، تعيش سهى عويضة، الأم التي تعيل أسرتها المكونة من ستة أفراد. منذ شهرين، تحولت حياتها إلى جحيم بسبب شح المياه. تقول عويضة لصحيفة "فلسطين": "المياه أصبحت تصلنا لمدة ست دقائق فقط كل ثلاثة أيام، هذا الوقت لا يكفي سوى لتعبئة ما لا يزيد عن 400 لتر من المياه، وهي كمية لا تكفي بالكاد ليوم واحد، فكيف بثلاثة أيام؟".

تزداد مأساة عويضة لكونها أصبحت المعيل الوحيد لأسرتها بعد استشهاد زوجها خلال الحرب "زوجي استشهد، والآن أنا المسؤولة عن كل شيء".

وتضيف: "أضطر أنا وأطفالي لنقل المياه من مسافات طويلة، أحيانًا نذهب إلى نقاط تجميع بعيدة، وأحيانًا ننتظر سيارات التوزيع التي قد تأتي أو لا تأتي". هذه الرحلات الشاقة تستهلك وقتًا وجهدًا كبيرين، وتحرم أطفالها من فرصة اللعب أو الدراسة بشكل طبيعي.

في بعض الأحيان، عندما تنفد المياه تمامًا، تضطر عويضة إلى اتخاذ قرارات صعبة "أحيانًا أضطر لشراء المياه بأموال أبنائي الذين يعملون في بيع الخضار"، تكشف عويضة بمرارة "هذا يعني أن أطفالًا صغارًا يجب أن يعملوا لتوفير أبسط حقوقهم، وهو الماء. هذا ليس عدلاً".

تناشد عويضة العالم بأسره أن يتدخل لوقف هذه المعاناة "أناشد العالم أن يضغط على دولة الاحتلال لتوفير كل ما يلزم لقطاع المياه والمولدات من وقود وزيوت صناعية"، وتضيف بحرقة: "نحن لا نطلب المستحيل، نطلب حقنا في الحياة الكريمة، في مياه نظيفة لأطفالنا. هذا ليس ترفًا، بل هو أساس البقاء. يجب أن يتحسن واقع المياه لدى الأسر الفلسطينية، فالعطش يقتلنا ببطء".

أزمة يفتعلها الاحتلال

وذكر المكتب الإعلامي الحكومي بغزة أن استمرار أزمة النقص في الوقود والمولدات الكهربائية والزيوت وقطع الغيار التي يفتعلها الاحتلال الإسرائيلي يحد بشكل كبير من قدرة البلديات على تشغيل الآبار ومحطات الضخ، الأمر الذي يجعل توفير المياه لأكثر من 2.4 مليون مواطن مهمة بالغة الصعوبة، وتهدد حياتهم بشكل فعلي وحقيقي.

وأكد في بيان مؤخرا، على حاجة البلديات العاجلة إلى مولدات كهربائية جديدة، وقطع غيار، وزيوت، ومحروقات، إلى جانب السماح بإدخال المواسير والمواد اللازمة لإعادة بناء شبكات المياه المتضررة، مشدداً على أن الاحتلال يواصل فرض القيود على إدخال مئات الأصناف من المواد المهمة، ومنها مواسير وشبكات المياه بمختلف أنواعها.

WhatsApp Image 2026-07-18 at 6.26.20 PM2.jpeg
 

بدورها، أعلنت وزارة الحكم المحلي بغزة أن أزمة المياه الحادة أدت لانقطاعها عن أكثر من (300) مخيم ومركز إيواء، الأمر الذي يهدد حياة آلاف الأسر ويضاعف من معاناتها اليومية، خصوصاً مع ارتفاع درجات الحرارة وتدهور الأوضاع الصحية والبيئية.

وذكرت الوزارة في بيان سابق، أنه باتت أعداد كبيرة من الأسر عاجزة عن الحصول على الحد الأدنى من احتياجاتها من مياه الشرب والاستخدام اليومي، حيث يضطر المواطنون إلى الانتظار لساعات طويلة للحصول على كميات محدودة من المياه، أو قطع مسافات بعيدة بحثاً عنها، في وقت تتزايد فيه مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة، ولا سيما بين الأطفال وكبار السن والمرضى.

ونبهت إلى أن خطورة الأزمة تزداد مع قيام عدد من المؤسسات الدولية بتقليص أو وقف الدعم المخصص لبعض المشاريع والتدخلات المائية، بما في ذلك مشاريع نقل وتوزيع المياه، وتشغيل الآبار، وتوفير الوقود

المصدر / فلسطين أون لاين