فلسطين أون لاين

شهيد جديد يرأس حماس

منحت حركة حماس ثقتها لمفاوضها خليل الحية لرئاسة مكتبها السياسي خلفًا للشهيد يحيى السنوار؛ في انتخابات استثنائية عبّرت بوضوح عن هوية الحركة وبنيتها التنظيمية والشورية، والأهم تماسكها.

تَمسُّك حماس بإجراء هذه الانتخابات في ظل حالة الاستنزاف القيادي ومسلسل الاغتيالات الذي تتعرض له في الداخل والخارج، وألغام المرحلة وأسئلتها، يعبر عما تعتقد به الحركة لمستقبل هذا الصراع مع العدو.

الأمر الآخر، رغم كل ما تعرضت له الحركة من حرب استئصال وملاحقة إلا أنها تبقى تنظيمًا فلسطينيًا كبيرًا فاعلًا ومؤثرًا، وخطيرًا في تقديرات العدو حتى في ذروة ضعفه. وعليه، لا يمكن أن تظل حماس بلا قائد مركزي يقود هذه المؤسسة ويحفظ بقاء الحركة وحضورها.

ما مرّت به الحركة خلال 39 عامًا تم اختزاله في 3 أعوام من الإبادة والموت، تلقّت إسرائيل خلالها السلاح من نحو 51 دولة؛ لإغلاق الحساب مع التنظيم الذي تسبب بكل هذا الجنون في العالم.

البداية كانت مفاجئة لكن النهاية كانت صادمة أكثر.

قاتلت حماس في معركة تاريخية استعدت لها جيدًا في الوقت الذي كانت في قسوتها أبعد من تقديراتها، صمدت وفاوضت ونزفت، تقدمت وتراجعت وانحنت، لكنها ظلت قوية الإرادة كشجرة زيتون معمرة.

لقد فتحت حماس بابًا للريح لن يستطيع أحد إقفاله.

لذلك، لن يكون الحية أفضل حظًا من القيادة التاريخية التي سارت بالحركة عبر دروب وعرة من الملاحقة والاعتقال والإبعاد والاغتيال في محطات زمنية متفاوتة حتى انتهى بها المطاف في السماء.

حماس ما بعد 7 أكتوبر ليست كما قبله، وما ينتظر الحية عبء قضية أكبر من التنظيم.

تقدّم الحية من وسط غبار المرحلة كقائد ورمز فلسطيني وافد من "حي الشجاعية" شرق مدينة غزة الذي يحمل ندوب الحروب الصليبية و"العالمية الأولى" ورفات جنود الحلفاء والانتفاضتين وتوغلات العدو. الحي نفسه الذي أنجب أبا محمد الجعبري وأم نضال فرحات.

قاد مفاوضات الحرب، في أقذر مرحلة عرفتها فلسطين من التخاذل والتواطؤ، وأكبر رهان خاسر تعرضت له حماس.

يدخل الحية موقعه الجديد منهكًا كجندي عاد من حرب، لكن بقامة منتصبة كسارية علم بعد سجل حافل بـ "مناطحة المخرز"، وفي مواجهة أكبر ضغوط سياسية عربية ودولية تعرضت لها الحركة في تاريخها.

هذا الاختيار للحية استدعاء آخر لاستكمال حرب البقاء نفسها التي لم تكتف بهذا الكم من الدم. سيجد نفسه في مهمة قيادة حركة مثقلة ومستنزفة ومحبطة ووحيدة، تتنازعها سياسات أجهزة أمن الإقليم وحبال العواصم ومصالح الوسطاء وأحاديث الصداقة الكاذبة.

سيدخل الحية اختبارًا أكبر للقدرة على المزاوجة بين استمرار الثبات والمرونة، وقيادة الحركة وسط حقل ألغام لا ينتهي، ووضع جديد لم تعرفه المنطقة من قبل، ومحاور جديدة تتشكل لم يعد مسموحًا فيها اللعب على الحبلين، وستضع قرارات الحركة وتحالفاتها في امتحان تاريخي غير مسبوق.

أي وقت جاء فيه الحية للسباحة عكس كل هذا التيار الجارف؟
لم يكن مسموحًا للحية أن يبقى على قيد الحياة وهو يفاوض على حرب إفناء شعبنا ومقاومته. فهل ستقبله إسرائيل قائدًا أعلى لمهمة إبقاء المقاومة وأرواح الرجال حيّة؟

يعلم الحية استحقاقات هذا الدور والموقع وأثمانه التي دفع الكثير منها، بينما نعلم نحن أنه الرجل الأقدر لهذه المهمة، وانتخابه جاء انحيازًا واستجابة لمتطلبات المرحلة، ووجوده على رأس قرار المقاومة هو قرار تنظيمي شجاع يمنح غزة الجريحة والنازفة وسام صبرها وصمودها وفعلها الكبير، ورسالة يفهمها العدو قبل الصديق، لكي تبقى فيبقى الجميع.

المصدر / فلسطين أون لاين