يلقب بـ"والد الشهداء"، فقد قدم أربعة من أبنائه فداء لفلسطين، كان يصنفه خصوم حركته والاحتلال ضمن من يطلقون عليهم اسم "الحمائم" داخل حركة حماس على حد وصفهم، بالنظر لشخصيته ونبرته الخطابية الهادئة وملامحه التي لم تعكس حقيقة صلابة د. خليل الحية الذي شاهدوه "صقرًا" متمترسًا على مطالب شعبه، وسائرًا على درب من سبقه حينما قاد جولات التفاوض التي سبقت توقيع اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، ليقرروا اغتياله في استهداف لاجتماع قيادة حماس في سبتمبر 2025 بمدينة الدوحة بقطر استشهد على إثر الضربة نجله "همام" ونجى هو ليقود جولة التفاوض ويرغم الاحتلال وأمريكا على تلبية شروط الشعب الفلسطيني وإبرام الاتفاق.
لم ينفصل استهداف الاحتلال لنجله "عزام" في مايو/ أيار 2026 عن جولات التفاوض القائمة، وفي إطار الضغوط الإسرائيلية لانتزاع تنازلات سياسية من د. الحية خلال المباحثات السياسية التي يقودها، إلا أن الرجل الذي سبق وقدم ثلاثة أبناء شهداء وقف صابرا على استشهاد نجله الرابع، وقال: إن "استشهاد نجلي عزام شرف جديد يضاف إلى سجل العائلة بعد إخوانه الثلاثة الذين سبقوه".
ووجه رسالة للاحتلال قائلا: "إذا كان العدو يظن أنه يمكن أن يأخذ منا ما لا نريد باستهداف القادة أو أبنائهم وعائلاتهم، فأنا أقول هذا وهم ومحال أن يتحقق"، لافتا إلى أن فقدان الأبناء رغم مرارته، لن يثني قيادة الحركة عن مواصلة التمسك بالمطالب الوطنية وحقوق الشعب الفلسطيني.
سيرة حياة
ولد خليل إسماعيل إبراهيم الحية في قطاع غزة في 5 نوفمبر/ تشرين ثاني 1960، ويحمل درجة الدكتوراه في علوم الحديث النبوي.
ارتبطت مسيرة الحية بمؤسس الحركة الشيخ أحمد ياسين منذ عام 1980، وتدرج في المناصب القيادية العليا حتى أصبح عضوا بالمكتب السياسي ونائبا لرئيس حركة حماس في القطاع ومسؤول مكتب العلاقات العربية والإسلامية، وانتخب عضوا في المجلس التشريعي الفلسطيني عام 2006، وتولى رئاسة كتلتها البرلمانية.
وأعلنت حركة حماس أول من أمس انتخاب د. الحية رئيسا لمكتبها السياسي، خلفا للقائد يحيى السنوار. وجاء الإعلان نتيجة اقتراع داخلي للحركة.
وأمضى الحية ثلاث سنوات في سجون الاحتلال الإسرائيلي أواخر التسعينيات ونجا من محاولات اغتيال متعددة أبرزها في أعوام 2007، و2014 وسبتمبر 2025.
ودفع الحية ثمنا باهظا على صعيد عائلته حيث فقد أربعة من أبنائه وأحفاده وعشرات من أفراد عائلته، ففي عام 2007 استشهد 7 من أفراد عائلته عقب قصف جوي إسرائيلي استهدف ديوان العائلة في حي الشجاعية شرق مدينة غزة، وفي 28 فبراير/ شباط 2008 استشهد نجله "حمزة" بقصف صاروخي نفذته طائرة حربية إسرائيلية بدون طيار، وعام 2014 قصف جيش الاحتلال منزله، ما أدى لاستشهاد نجله الأكبر أسامة زوجته وأطفاله.
إنجاز كبير
ويقول الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم مسلم إن التزام حركة حماس بلوائحها الداخلية والتنظيمية واحترام قرارات مؤسساتها الشورية والقيادية يُعد أبرز مظاهر نجاحها التنظيمي، موضحًا أن استكمال الانتخابات الداخلية في مواعيدها المقررة، رغم التحديات الأمنية والسياسية البالغة التعقيد، يمثل إنجازًا تنظيميًا واستحقاقًا انتخابيًا مهمًا.
وأضاف مسلم لصحيفة "فلسطين" أن الحركة رسخت من خلال هذه الانتخابات نهجًا ثابتًا في إدارة شؤونها الداخلية، وبعثت رسالة مفادها أنها لا تستسلم للضغوط، وتحافظ على وحدتها وتماسكها، وستبقى أيقونة للنضال والمقاومة.
وأكد أن التزامها بلوائحها الداخلية مدعاة للفخر، كما أنه يشكل نموذجًا ينبغي أن تحتذي به الفصائل الفلسطينية الأخرى في تجديد شرعياتها واختيار قياداتها، لا سيما في ظل الحرب الجارية.
وفيما يتعلق باختيار الدكتور خليل الحية رئيسًا للمكتب السياسي، قال مسلم إن هذا الاختيار يعكس توجهًا نحو الدفع بشخصية تمتلك خبرة سياسية وتنظيمية واسعة، وصاحب علاقات إقليمية ودولية متميزة، ارتبطت بإدارة ملفات غزة وعلاقاتها الخارجية.
وأشار إلى أن الحركة تسعى من خلال هذا الاختيار إلى قيادة قادرة على التعامل مع مرحلة شديدة التعقيد، مؤكدًا أن ما قدمته غزة من تضحيات جعل من الطبيعي أن يتولى أحد أبنائها قيادة الحركة.
وأضاف أن تولي الحية رئاسة المكتب السياسي، خلفًا لقادة بارزين مثل يحيى السنوار وإسماعيل هنية، يعكس توجهًا نحو تعزيز حضور القيادات القادمة من قطاع غزة، واختيار شخصية لعبت أدوارًا بارزة في العمل الدبلوماسي وقيادة ملف المفاوضات.
وأكد مسلم أن رئيس المكتب السياسي الجديد يواجه تحديات كبيرة على المستويات التنظيمية والوطنية والسياسية، موضحًا أن من أبرزها الحفاظ على وحدة الحركة وتماسكها، وإدارة العلاقة مع حركة فتح والسلطة، إلى جانب التعامل مع استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، واستمرار المفاوضات غير المباشرة بين المقاومة والاحتلال برعاية إقليمية ودولية.
وأضاف أن الحية سيكون مطالبًا أيضًا بإدارة تداعيات الحرب، والتعامل مع ملفات الإغاثة وإعادة الإعمار، والاستعداد لأي استحقاقات انتخابية قد يعلن عنها رئيس السلطة، مشيرًا إلى أن خبرته السياسية والتفاوضية وعلاقاته الوطنية قد تساعده في إدارة هذه الملفات، مع بقاء نجاحه مرتبطًا أيضًا بالتطورات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها انعكاسات الحرب على إيران.
ولفت مسلم إلى أن قطاع غزة سيبقى أولوية لدى قيادة الحركة في المرحلة المقبلة، خاصة أن الحية يشغل رئاسة الوفد المفاوض للمقاومة، فضلًا عن كونه من أبناء القطاع ويدرك حجم معاناته وظروفه.
وأوضح أن هذا الأمر يمثل مؤشرًا على استمرار اهتمام الحركة بقطاع غزة خلال المرحلة الحالية، مع التأكيد في الوقت ذاته أن أجندة الحركة ستظل مرتبطة بمجمل القضايا الفلسطينية، وفي مقدمتها القدس، واللاجئون، وغزة، دون أي تغيير في ثوابتها السياسية أو أولوياتها الوطنية.
وختم مسلم بالقول إن وجود رئيس للمكتب السياسي من قطاع غزة سيمنح ملفات القطاع اهتمامًا أكبر خلال المرحلة المقبلة، إلى جانب تعزيز الاهتمام بملف العلاقات الوطنية، ولا سيما مع حركة فتح والسلطة الفلسطينية، مشيرًا إلى أن اتصال نائب رئيس السلطة الفلسطينية، حسين الشيخ، لتهنئة الحية بانتخابه، قد يشكل بداية لمرحلة جديدة في إدارة العلاقة الوطنية بين الجانبين.
انسياب قيادي
بدوره، أكد المفكر اللبناني معن بشور ثقته بقدرة حركة حماس على اختيار قيادتها ومكتبها السياسي وفق أطرها التنظيمية والشورية، مشيراً إلى أن انتخاب الدكتور خليل الحية جاء استناداً إلى معايير موضوعية وشخصية تؤهله لتحمل هذه المسؤولية.
وأوضح بشور أن الدكتور خليل الحية يعد من القيادات التي قدمت الكثير للقضية الفلسطينية، إذ ضحى بعائلته وأهله ورفاقه، وظل مخلصاً لمسيرة المقاومة والدفاع عن فلسطين، لافتاً إلى أنه تولى خلال الأشهر الماضية تمثيل الحركة وقيادة جولات التفاوض، ولا سيما بعد استشهاد عدد من قادتها، وفي مقدمتهم إسماعيل هنية ويحيى السنوار.
وأشار إلى أن اختيار الحية يعكس "الانسياب القيادي الطبيعي" داخل حركة حماس، حيث تنتقل القيادة من جيل إلى آخر في إطار مؤسسات الحركة ولوائحها، وبروح ديمقراطية قائمة على الشورى والتنافس الأخوي، معتبراً أن هذه التجربة تمثل نموذجاً ينبغي أن تحتذي به التنظيمات والمؤسسات والمجتمعات العربية، لأن التكامل والوحدة هما السبيل لتحقيق الأهداف الوطنية.
وأضاف أن انتخاب الحية يحمل دلالة خاصة لقطاع غزة، الذي ارتبط اسمه بمسؤوليته عنه خلال السنوات الماضية، مؤكداً أن القطاع، بما قدمه من تضحيات وشهداء وصمود في مواجهة الاحتلال، يستحق أن يكون له هذا الحضور في قيادة الحركة خلال هذه المرحلة الدقيقة، معرباً عن ثقته بقدرة الحية على الحفاظ على وحدة الحركة ودورها السياسي والمقاوم والالتزام بثوابتها.
وأكد بشور أن من أبرز ما يميز حركة حماس احترامها لذاتها وتمسكها بالتعبير عن إرادة الشعب الفلسطيني والدفاع عن حقوق الأمة، مبيناً أنها استطاعت الموازنة بين الثبات على مبادئها والانفتاح على مختلف الدول والقوى، حتى تلك التي تختلف معها، مع الحفاظ على استقلالية قرارها السياسي، وهي خبرة راكمتها من تجاربها وتجارب الحركة الوطنية الفلسطينية والعلاقات مع الأنظمة العربية.
وشدد على أن الحكمة السياسية تقتضي التمسك بالوحدة الوطنية وتعزيز العلاقات مع العمقين العربي والإسلامي، بما يخدم القضية الفلسطينية ويحافظ على حضورها في مختلف الساحات.
مبادئ الحركة
وفي تقييمه لشخصية الحية، أوضح بشور أنه تابع مواقفه وتصريحاته وعلاقاته على مدى سنوات، ولاحظ أنه يجمع بين الالتزام بمبادئ الحركة والحكمة وحسن إدارة العلاقات، وهو ما مكنه من بناء مكانة سياسية على المستويين العربي والدولي خلال فترة وجيزة.
وأضاف أن الدكتور خليل الحية، شأنه شأن إخوانه في قيادة الحركة، يضع فلسطين في مقدمة أولوياته، ولا يتحرك إلا بما يعتقد أنه يخدم القضية الفلسطينية، الأمر الذي أكسبه احترام كل من تعامل معه أو تابع أداءه، مؤكداً أنه يحمل اليوم إرثاً كبيراً ومسؤولية وطنية وتاريخية ثقيلة.
وفي ختام حديثه، أكد بشور أن حركة حماس تواجه تحديات كبيرة في ظل المشهد الفلسطيني القاسي وحجم التضحيات التي يقدمها الشعب الفلسطيني، لكنه رأى أن الحركة دخلت التاريخ من أوسع أبوابه بفضل قياداتها السياسية والعسكرية، مضيفاً: "لا يمكن الحديث عن حماس دون استحضار أسماء قادتها المؤسسين والشهداء، وفي مقدمتهم الشيخ أحمد ياسين، والدكتور عبد العزيز الرنتيسي، وإسماعيل هنية، ويحيى السنوار، إلى جانب القادة العسكريين محمد الضيف، ومروان عيسى، وغيرهم من القادة الذين تركوا بصمتهم في مسيرة المقاومة".