فلسطين أون لاين

إعمار غزة بين الشروط السياسية والتحديات الاقتصادية: خبراء يحذرون من الحلول المؤقتة

...
تكلفة إعادة الإعمار تقدر بأكثر من 50 مليار دولار (أرشيف)
غزة/ رامي رمانة:

يرى مراقبون في الشأن الاقتصادي أن عملية إعادة إعمار قطاع غزة يجب أن تُبنى على أسس شاملة ومستدامة، بعيدًا عن أي مشاريع مؤقتة أو حلول مجتزأة قد لا تعالج جذور الأزمة.

ويؤكد هؤلاء  لصحيفة "فلسطين" أن أي جهود للإعمار ينبغي ألا تسهم في تكريس واقع جغرافي أو إنساني جديد داخل القطاع، بل يجب أن تنطلق من رؤية تضمن استعادة الحياة الطبيعية بشكل كامل.

ويشدد الخبراء على أن المدخل الحقيقي لبدء الإعمار يتمثل في وقف العدوان الإسرائيلي، وانسحاب قوات الاحتلال، وفتح المعابر بشكل يتيح تدفق المواد واللوازم الأساسية، وعلى رأسها مواد البناء.

كما يبرزون أهمية ضمان حق المواطنين في العودة إلى مناطقهم الأصلية، والعمل على إعادة بناء مدنهم وقراهم بما يحفظ النسيج الاجتماعي والاقتصادي.

ويؤكدون في الوقت ذاته ضرورة إدارة ملف الإعمار ضمن إطار وطني فلسطيني جامع، يضمن حماية الحقوق والسيادة، ويعزز من فرص تحقيق تنمية حقيقية ومستدامة في القطاع.

مقاربة أوسع

وفي هذا السياق، يطرح الخبير الاقتصادي د. وليد الجدي مقاربة أوسع تتجاوز البعد الإغاثي أو الهندسي لعملية الإعمار، مشددًا على أن التحدي الحقيقي يكمن في إدارة  الملف ضمن إطار مؤسسي واضح، يضمن الكفاءة والشفافية ويمنع هدر الموارد أو تسييسها.

ويدعو الجدي الى إطلاق مؤتمر دولي شامل يضم كافة الأطراف المعنية، بهدف صياغة خطة تنفيذية دقيقة تتضمن أولويات واضحة، وآليات رقابة ومتابعة، ومؤشرات قياس أداء، بما يضمن تحويل التعهدات المالية إلى مشاريع حقيقية على الأرض، وليس مجرد وعود مؤجلة.

كما يشير إلى أهمية بناء نموذج اقتصادي موازٍ لعملية الإعمار، يقوم على تحفيز الإنتاج المحلي وخلق فرص عمل، بدل الاعتماد الكلي على المساعدات، محذرًا من أن غياب هذا البعد قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة الاقتصادية نفسها حتى بعد إعادة البناء.

وينتقد الجدي بطء الاستجابة الدولية، وضعف التنسيق بين الجهات المختلفة، معتبرًا أن استمرار النهج سيؤدي إلى إطالة أمد الأزمة وتعميق الفجوة بين الاحتياجات الفعلية للسكان وما يتم تنفيذه على الأرض.

كما يلفت إلى أن أي حديث عن تحسن اقتصادي يبقى محدودًا ما لم يُترجم إلى إجراءات ملموسة، مشيرًا إلى أن الواقع في غزة لا يزال يعاني من انهيار حاد في مختلف القطاعات، وسط غياب تدخلات فعالة قادرة على إحداث تغيير حقيقي.

وتعكس الأرقام حجم التحدي؛ إذ تُقدّر تكلفة إعادة الإعمار بأكثر من 50 مليار دولار، في وقت تضررت فيه ما يزيد عن 70% من المباني والبنية التحتية، ودُمّرت مئات آلاف الوحدات السكنية، إضافة إلى شلل واسع في القطاعات الحيوية كالصحة والتعليم والمياه.

كما تشير التقديرات إلى أن إزالة الركام وإعادة تأهيل البنية التحتية قد تستغرق سنوات طويلة، ما يجعل من الضروري اعتماد خطة متكاملة تجمع بين الإعمار الفوري والتنمية المستدامة، لضمان عدم تكرار الأزمات، وبناء اقتصاد قادر على الصمود مستقبلاً.

فشل المشاريع التجريبية

من جهته توقع الخبير الاقتصادي محمد أبو جياب الفشل لأي توجه لاستبدال خطة إعادة الإعمار الشاملة في قطاع غزة بمشاريع تجريبية أو مناطق إيواء مؤقتة معزولة، وتخضع لترتيبات أمنية خاصة، وقال لن يكتب لهذا التوجه النجاح ولن يشكل حلاً عملياً أو مستداماً.

وأكد أن المشكلة في غزة ليست أزمة سكن مؤقت يمكن احتواؤها عبر تجمعات محدودة، بل هي كارثة إنسانية وتنموية واسعة النطاق طالت المدن والبلدات والبنية التحتية ومنازل مئات الآلاف من المواطنين.

وبالتالي يضيف أبو جياب، أن أي مقاربة تتجاوز إعادة الإعمار الشاملة، وتحاول فرض أنماط سكنية انتقالية أو حلولاً مجتزأة، ستصطدم برفض الواقع الاجتماعي والاقتصادي والقانوني.

 ونبه إلى أن المدخل الحقيقي لإعادة إعمار غزة يبدأ أولاً بإنهاء الحرب بشكل كامل، ورفع الحصار، وفتح المعابر أمام دخول مواد البناء والمعدات، ثم إطلاق عملية إعادة إعمار شاملة وفق خطة واضحة تضمن عودة المواطنين إلى مناطقهم الأصلية، وتحافظ على حقوقهم في الملكية الخاصة، وتعيد بناء المدن والأحياء بما ينسجم مع احتياجات السكان، وليس وفق ترتيبات مؤقتة أو استثنائية.

 كما أن أي جهود لإعادة الإعمار ينبغي أن تستند إلى مبادئ العدالة والشفافية واحترام حقوق السكان، وأن تتيح لأهالي غزة المشاركة في رسم مستقبل مدنهم، بدلاً من الاكتفاء بحلول انتقالية قد تطول لسنوات وتتحول إلى واقع دائم. وشدد على أن إعادة إعمار غزة ليست مجرد مشروع هندسي أو إنساني، بل هي استحقاق يرتبط بحق السكان في السكن الكريم، واستعادة حياتهم الطبيعية، والحفاظ على نسيجهم الاجتماعي وحقوقهم القانونية.

 ولذلك، فإن المطلوب اليوم ليس البحث عن بدائل مؤقتة، وإنما توفير الإرادة السياسية والتمويل اللازم للبدء الفوري بإعادة إعمار شاملة ومستدامة تعيد الحياة إلى القطاع وتحفظ كرامة مواطنيه.

المصدر / فلسطين أون لاين