في فبراير/شباط 1968 نشرت صحيفة نيويورك تايمز واحدة من أشهر صور القرن العشرين، التقطها مصور وكالة الأسوشيتد برس إيدي آدامز في أثناء حرب فيتنام.
تُظهر الصورة قائد شرطة سايغون وهو يطلق النار من مسافة صفر على رأس شاب مقيد اليدين.
خلال ساعات انتشرت الصورة في أنحاء العالم، وتحولت إلى رمز لوحشية الحرب، وأسهمت – إلى جانب عوامل سياسية وعسكرية وإعلامية أخرى – في تعميق معارضة الرأي العام الأمريكي لاستمرار الحرب في فيتنام.
والمفارقة أن ذلك الشاب كان متهماً بقتل مدنيين قبل لحظات من إعدامه، لكن الصورة لم تنقل ما سبقها، بل نقلت لحظة واحدة فقط: رجل أعزل مقيد اليدين يُقتل أمام عدسات الكاميرات.
👈 وهنا تكمن قوة الصورة.
فالصورة لا تشرح، ولا تناقش، ولا تعرض السياق الكامل، لكنها تختصر المشهد في لحظة واحدة، ثم تترك لعواطف الناس أن تُكمل بقية القصة.
ولهذا كانت الصورة، وما تزال، أحد أخطر أسلحة السياسة والحروب.
السياسيون المحترفون يدركون أن الصورة قد تهدم ما تبنيه سنوات من العمل.
لذلك يحرصون - حتى في أكثر الحروب قسوة - على ألا يقدموا لخصومهم مادة دعائية مجانية، لأنهم يعلمون أن خسارة معركة الصورة قد تكون أخطر من خسارة معركة ميدانية.
ومن يتأمل تاريخنا الفلسطيني يجد نماذج كثيرة دفعت فيها الصورة أثمانًا سياسية وإعلامية باهظة.
نتذكر مشاهد إعدام متهمين بالعمالة أمام عدسات الكاميرات خلال مراحل مختلفة من الصراع، ونتذكر مشاهد وتصريحات مصورة تحولت إلى مادة دائمة للدعاية المضادة، ونتذكر صورًا وتصرفات لقيادات أو لأبنائهم أو لمحيطهم، بددت في لحظات ما حاولت سنوات طويلة ترسيخه في أذهان الناس.
وليس المقصود هنا مناقشة الوقائع ذاتها، وإنما التنبيه إلى أثر الصورة في تشكيل الرأي العام.
إن الخصوم لا ينتظرون منا هزيمة عسكرية فحسب، بل يبحثون عن صورة واحدة توضع في المكان المناسب والوقت المناسب، لتؤدي ما قد تعجز عنه حملات إعلامية كاملة.
ومن هنا فإن إدارة الصورة ليست ترفًا إعلاميًا، بل هي جزء من إدارة الأزمات وإدارة الصراع.
فكل مسؤول، وكل قائد، وكل متحدث، يجب أن يدرك أن الكاميرا لا توثق الحدث فقط، بل تصنع الانطباع الذي قد يبقى في ذاكرة الشعوب لعقود.
قد ينسى الناس آلاف الخطب، لكنهم لا ينسون صورة واحدة.
ولهذا فإن الحكمة تقتضي أن نحاسب أنفسنا قبل أن يحاسبنا التاريخ، وأن ندرك أن الخصم قد يعجز عن هزيمتنا في الميدان، لكنه قد ينتصر علينا إذا منحناه نحن، بأيدينا، الصورة التي كان يبحث عنها.
فهلّا عقلنا؟

