ماذا بعد استقالة لجنة متابعة العمل الحكومي وحل لجنة الطوارئ؟! ما زالت الأمور الميدانية كما هي؛ خارطة طريق مجلس السلام قد أضلت مسارها وانحازت للرواية الصهيوأمريكية، والحال في غزة، كعادته، قصفٌ متواصل، ومزيدٌ من ارتقاء الشهداء والجرحى، وسيلٌ من نزيف الدماء، وعمليات النسف في المناطق الشرقية مع شارع صلاح الدين، وتوسيع سيطرة الاحتلال على مساحة غزة، وتقديم "حاجز الموت الأصفر"، وتقليص المؤسسات الدولية والأجنبية العاملة في غزة، والتحكم في إدخال المساعدات الإنسانية والأدوية والبضائع التجارية. فالمعابر مغلقة، والأمراض متفشية، مع مواصلة سياسة التجويع، وتعدد الوفيات نتيجة انعدام الغذاء والدواء، ونقص الكوادر البشرية والخدمات الطبية، وارتفاع نسبة المصابين بمرض "جدري الماء"، إضافة إلى حالات الغلاء والاحتكار والاستغلال المنتشرة لدى فئات التجار والسائقين، وزيادة نسبة الفقر والبطالة في المجتمع نتيجة الحرب؛ فهل يكترث الوسطاء الضامنون والمجتمع الدولي الصامت والمتخاذل؟
نقطة تحول؛ بادرت غزة في خوض المعركة منذ بدايتها، وقدمت التضحيات العظيمة في سبيل العيش الكريم للمواطنين، وحفظ المقدسات الإسلامية والثوابت الوطنية، وحرية الأسرى الفلسطينيين، ورفع الحصار. ورغم ذلك، ما زالت تبادر في مشاركة الحلول عبر المفاوضات لمستقبل أفضل وواقع أيسر، رغم المحن والمعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة. المعركة تدار من خلف الكواليس لرسم نهاية بائسة، وتصفية الوجود الفلسطيني، وحصر الصراع الديموغرافي من خلال البقاء على هذه الأرض المباركة.
هذه المبادرات السياسية التي خاضها الوفد المفاوض لإنهاء الحرب، ووقف العدوان، ومجازر الإبادة، وسياسات الاحتلال الممنهجة ضد الشعب الفلسطيني في غزة والضفة، كانت نقطة تحول في المفاوضات من خلال المبادرات الوطنية مع الوسطاء لتحقيق بدء المرحلة الثانية. وهنا نرصد آخر مبادرة فلسطينية تلخصت بحل لجنة متابعة العمل الحكومي، واستقالة لجنة الطوارئ الحكومية، في خطوة تمهيدية وإيجابية لتسليم شؤون البلد للجنة "التكنوقراطية" التي أفرزها مجلس السلام، والتي يمنعها الاحتلال من دخول غزة لاستلام مهامها منذ 6 شهور.
غزة تناور وحدها عبر مفاوضات معدومة، في محاولة لوصول اللجنة الوطنية التكنوقراطية وتسليمها الحكم بالكامل لتسيير شؤون القطاع من خلال جسر إداري داخلي، بحيث لا يسقط القطاع في وحل الفوضى ما بين حل لجنة الطوارئ وتقلد اللجنة التكنوقراطية المتفق عليها زمام الأمور. وبما أن ملعب المناورة يحمل في طياته تسليمًا آمنًا للحكم المدني، بينما الوسطاء وملادينوف يناورون ضد مصالح شعبنا وقضيتنا، بحثًا عن أماني العدو، وفي انحياز تام لسياسة العدو المحتل.
استقالة لجنة الطوارئ ومتابعة العمل الحكومي مثلت خطوة وطنية مسؤولة تفرض انتقال مسؤولية المنظومة الحكومية إلى اللجنة التكنوقراطية وتمكينها من مباشرة مهامها، والتخفيف من معاناة شعب غزة. أما تعطيل عملها، فلم يعد مقبولًا، وعلى الوسطاء والجهات الضامنة تحمل مسؤولية ضمان تنفيذ التفاهمات، ومنع الاحتلال من استغلال الملف الإداري للابتزاز السياسي.
تنحي حركة حماس عن حكمها لغزة قد يؤدي إلى إضافة مقترحات أو تعديلات جديدة على خارطة طريق مجلس السلام، لانحراف مسار المفاوضات والاتفاقات المتبلورة خلال المرحلة الثانية، والتي تعد مرحلة الإنجازات الميدانية في الفترة المقبلة. فيما جاء قرار الاستقالة في توقيت سياسي بالغ الحساسية، بهدف نزع الذرائع التي يستند إليها الاحتلال والوسطاء، وإعادة توجيه الضغوط السياسية نحوهم، بينما كانت استجابة للمصلحة الوطنية ونزعًا لذرائع الاحتلال. فيما اتخذت هذه المبادرة خطوة إيجابية جديدة، وكانت هناك مقترحات مختلفة لإدارة شؤون القطاع بطريقة وطنية وتوافقية، أنتجت بالنهاية اللجنة الوطنية "التكنوقراطية" التي تم التوافق عليها في القاهرة، والتي يمنعها الاحتلال من دخول القطاع منذ تشكيلها وحتى الآن.
تسليم إدارة قطاع غزة إلى اللجنة الوطنية يهدف لمنح فرص معالجة القضايا الحياتية، وخاصة إعادة فتح المعابر وإدخال المساعدات الإنسانية والغذائية، وكذلك اختبارًا للاحتلال إذا ما كان مستعدًا لتنفيذ البنود التي لم يتم تنفيذها في المرحلة الأولى، ومنها الانسحاب الكامل، والبدء بإعادة الإعمار، وإدخال المساعدات، وإلخ من القضايا المهمة. كما أن خطوة حماس لإنهاء حكمها بعد عشرين عامًا تريد فيها اختبارًا لوعود وقدرة الوسطاء حول خطط "مجلس السلام"، التي تتعارض جزءًا منها مع الرؤية الإسرائيلية لترتيبات اليوم التالي في قطاع غزة، والتي تُعد مرحلة استعداد لاستكمال المرحلة الثانية من اتفاق شرم الشيخ، واستجوابًا لمدى صدق ومسؤولية كل الأطراف في إنهاء الحرب وإعمار غزة؛ لذا يتوجب الفصل بين العقل المعنوي الناضج والعقل الانتهازي السلبي، حتى يستوعب المواطن الفلسطيني خطوات المفاوضات ومستقبل غزة بعد 3 سنوات من الانحياز الكامل للرواية الإعلامية الصهيوأمريكية.
نعم، هناك تلكؤ واضح من الأطراف في الاستجابة للخطوات الميدانية والمبادرات السياسية عقب حل لجنة متابعة العمل الحكومي ولجنة الطوارئ في غزة.
تلكؤ مجلس السلام مجددًا من خلال استناده إلى تقييم إجراءات نقل الحكم لتلبية الاحتياجات الأساسية لسكان غزة، واختتام المناقشات حول خارطة الطريق، بما في ذلك آليات التنفيذ اللازمة لتمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة من تولي كامل الحكم. فيما يبقى المبدأ الأساسي هو: سلطة واحدة، وقانون واحد، وسلاح واحد، وهذا يعني توحيد جميع الأسلحة الخاضعة لسيطرة اللجنة الوطنية لإدارة غزة، كما هو منصوص عليه في خطة السلام الشاملة لغزة وقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2803.
الخلاصة، تشير التطورات الأخيرة إلى أن المفاوضات الخاصة بقطاع غزة دخلت مرحلة أكثر حساسية وجدية، مع تركز النقاش على الملفات الأمنية والعسكرية، وعلى رأسها قضية السلاح ومستقبل البنية التحتية العسكرية للفصائل الفلسطينية. ورغم الانتقادات التي وجهها نيكولاي ملادينوف لرد الفصائل الفلسطينية، فإن الاجتماعات المكثفة التي عقدت خلال الأيام الماضية بين حماس والوسطاء، مع مصر وقطر وتركيا، بحضوره، تعكس استمرار الحراك التفاوضي وعدم تعثره.
والجدير بالذكر أن حماس سلمت الوسطاء في القاهرة ردها على وثيقة التعديلات الخاصة بإدارة قطاع غزة، مع الإبقاء على معظم مواقفها. فالمؤشرات المتداولة تتحدث عن تقدم ملحوظ، وتقليص للعديد من الفجوات الخلافية، ما يوحي بأن الأطراف باتت أقرب إلى البحث عن صيغ تفاهم عملية، بعد حل حماس سلطتها وإنهاء حكمها لقطاع غزة الذي دام لعقدين، فيما يبقى ملف السلاح والترتيبات الأمنية التحدي الأكبر أمام أي اتفاق، بينما تتركز الخلافات والتوتر حول رواتب الموظفين ومستقبل سلاح المقاومة.

