بعد عشرين عامًا من غياب الانتخابات التشريعية، يفترض أن يكون تحديد الثامن والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل موعدًا للاقتراع خبرًا يفتح نافذة أمل في جدار النظام السياسي الفلسطيني المغلق.
لكن الانتخابات لا تبدأ يوم فتح الصناديق، ولا تصبح ديمقراطية لمجرد صدور مرسوم رئاسي يحدد موعدها.
ما يسمعه الفلسطينيون حتى الآن هو سلسلة قرارات ومراسيم تصدر من أعلى، من دون أن تسبقها طاولة حوار وطني، أو لقاءات تشاورية مع القوى والفصائل والنخب ومؤسسات المجتمع المدني. وكأن المطلوب من الشعب الفلسطيني، وسط واحدة من أخطر مراحل قضيته، أن ينتقل مباشرة من سماع القرار إلى تنفيذه، من دون أن يعرف كيف اتُّخذ، وما الغاية السياسية منه، وما الضمانات التي تحمي نتائجه.
المشكلة إذن ليست في الانتخابات. على العكس، الفلسطينيون بحاجة ملحّة إلى تجديد شرعياتهم ومؤسساتهم التي استهلكها الزمن والانقسام. لكن السؤال الحقيقي هو: هل تقود الانتخابات إلى إعادة بناء النظام السياسي، أم تتحول إلى محطة جديدة في إعادة إنتاجه بالصورة نفسها؟
هذا السؤال لا يمكن القفز عنه في ظل ما تعيشه غزة. فكيف ينتخب مجتمع دُمرت مدنه وتوزع سكانه بين النزوح والركام؟ كيف تُراجع سجلات الناخبين، وتتشكل القوائم، وتُجرى الحملات، وتُحمى مراكز الاقتراع؟ والأهم: هل ستُعامل غزة بوصفها دائرة انتخابية تنتظر يوم التصويت، أم بوصفها القضية الوطنية الأولى التي يجب أن يجيب البرنامج الانتخابي عن مستقبلها وإدارتها وإعمارها وضمان وحدتها مع الضفة والقدس؟
الانتخابات الحقيقية لا تتجاهل الحرب ثم تدعو ضحاياها إلى الاقتراع. بل تجعل وقف الحرب، وإنقاذ غزة، وإعادة إعمارها، وحماية وحدتها السياسية والجغرافية جزءًا من المهمة الوطنية التي تُجرى الانتخابات من أجلها.
الأمر نفسه ينطبق على الضفة الغربية، حيث يستطيع الاحتلال اعتقال المرشحين، ومنع الاجتماعات، وإغلاق المدن، وتقييد حركة الناخبين. وتبقى القدس الامتحان الأكثر وضوحًا؛ فقد أصبحت ذريعة تأجيل انتخابات 2021، وقد تتكرر الذريعة نفسها ما لم تُعتمد مسبقًا بدائل فلسطينية وآليات اقتراع واضحة، بدل ترك مصير العملية كلها معلقًا على موافقة الاحتلال.
لهذا يحتاج الفلسطينيون، قبل الانتخابات، إلى حوار وطني عاجل، لا ليعيد إنتاج جلسات المصالحة التقليدية، وإنما للاتفاق على قواعد ملزمة: حرية الترشح والدعاية، احترام النتائج، حماية المنافسة السياسية، تشكيل محكمة انتخابية مستقلة، وتوفير رقابة محلية ودولية واسعة. كما يتطلب الأمر تحديد موعد ملزم للانتخابات الرئاسية، حتى لا ينتج الاقتراع مجلسًا تشريعيًا جديدًا إلى جوار شرعية تنفيذية قديمة. حيث برزت مطالب بتحديد موعد صريح للرئاسية وبحوار وطني جامع، حتى لا تختزل العملية في إجراء جزئي.
لكن القضية أوسع من انتخابات السلطة وحدها. فالفلسطينيون لا يعيشون أزمة برلمان فقط، بل أزمة تمثيل وهوية ومرجعية وطنية. وهم موزعون بين غزة والضفة والقدس والداخل والشتات، فيما تتعرض وحدتهم الجغرافية والسياسية لمحاولة تفكيك متواصلة. لذلك يجب أن تتصل الانتخابات التشريعية بمسار واضح لإعادة بناء منظمة التحرير وانتخاب مجلس وطني يمثل الفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم، وفق آليات معلنة لا تقوم على التعيين أو الانتقاء.
أما تعديل القوانين وشروط الترشح من دون تشاور وطني، فيهدد بتحويل القانون من ضمانة للمنافسة إلى أداة لتحديد من يحق له دخولها. فالانتخابات التي تُكتب قواعدها من طرف واحد قد تنتج أصواتًا ومقاعد، لكنها لن تنتج بالضرورة شرعية وطنية جامعة.
ما يحتاجه الفلسطينيون اليوم ليس توزيع مئتي مقعد، بل بناء عقد وطني جديد: يحدد شكل النظام السياسي، والعلاقة بين السلطة والمنظمة، وكيفية اتخاذ القرار، وسبل تداول الحكم، والبرنامج الذي يحمي الحقوق الوطنية في مواجهة المشروع الإسرائيلي الساعي إلى تفكيك الأرض والشعب والقضية.
إن نجاح الانتخابات لن يُقاس بوصول الناخبين إلى الصناديق يوم 28 نوفمبر، بل بما إذا كان الفلسطينيون سيصلون إليها موحدين، أحرارًا، ومتفقين على احترام ما ستقوله.
فالطريق إلى الانتخابات لا يبدأ بمرسوم.
يبدأ بطاولة يجلس إليها الجميع.
وعندها فقط يمكن أن يصبح صندوق الاقتراع رافعة للخروج من الأزمة، لا صندوقًا جديدًا لحفظ الانقسام.

