فلسطين أون لاين

أثناء أداء مهمته الإنسانية

خرج لإطعام الجوعى فعاد شهيدًا.. الاحتلال يقتل سائق مساعدات في رفح

...
السائق أحمد اسليم
غزة/ جمال غيث:

لم يكن أحمد اسليم يعلم أن رحلته الأخيرة إلى معبر كرم أبو سالم جنوب شرق قطاع غزة ستكون طريقًا بلا عودة، حين خرج كعادته خلف مقود شاحنته المحملة بالمساعدات الغذائية المخصصة للعائلات التي أنهكها الجوع، بعد حصوله على جميع الموافقات والتنسيقات اللازمة، لكنه عاد إلى طفليه جثمانًا، بعدما قُتل برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي في أثناء أدائه مهمة إنسانية.

كان أحمد، سائق شاحنة يعمل على نقل المساعدات الإغاثية، ضمن قافلة تنقل مواد غذائية إلى قطاع غزة، قبل أن تتوقف حياته برصاصة أطلقها أحد جنود الاحتلال، وفق رواية عائلته، في حين كان يقف أعزل ويحاول مساعدة زميله في إصلاح عطل أصاب إحدى الشاحنات.

لحظات الوداع الأخيرة

يروي شقيقه خضر اسليم لصحيفة "فلسطين" تفاصيل الساعات الأخيرة في حياة أحمد، موضحًا أن اتصالًا هاتفيًا وصله قرابة الساعة الثانية عشرة والنصف ظهر الأربعاء الماضي من أحد العاملين في منظمة المطبخ المركزي العالمي (World Central Kitchen)، أبلغه في البداية بأن شقيقه أصيب برصاصة في قدمه، قبل أن تتضح الحقيقة المؤلمة باستشهاده بعد وقت قصير متأثرًا بإصابته.

ويقول خضر إن أحمد كان ضمن قافلة تضم 21 سائقًا ينقلون مساعدات غذائية عبر معبر كرم أبو سالم إلى مستودعات المنظمة داخل قطاع غزة، إلا أن القافلة توقفت بعد تعطل إحدى الشاحنات في المقدمة.

ويضيف أن أحمد نزل من مركبته استجابة لطلب أحد زملائه للمساعدة في إصلاح العطل، وفي أثناء وجوده إلى جانبه وصلت مركبة عسكرية إسرائيلية إلى المكان.

ويتابع: "طلب الجنود من أحمد التقدم نحو المركبة العسكرية، فتوجه إليهم دون تردد، ولم يحاول الهرب أو المقاومة، بل رفع يديه امتثالًا للأوامر، وكان أعزل تمامًا، لكن أحد الجنود أطلق النار عليه مباشرة ليسقط شهيدًا في المكان".

سائق يحمل تصريحًا ومهمة واضحة

ويؤكد خضر أن شقيقه لم يكن مجهول الهوية لدى قوات الاحتلال، موضحًا أن جميع سائقي شاحنات المساعدات يخضعون لإجراءات تنسيق وفحص مسبقة، ولا يُسمح لهم بالوصول إلى المعابر أو المناطق القريبة من المواقع العسكرية إلا بعد الحصول على موافقات رسمية عبر المؤسسات الإنسانية التي يعملون معها.

ويشير إلى أن أحمد كان يرتدي السترة الخاصة بالعاملين في نقل المساعدات الإنسانية، وكانت طبيعة مهمته واضحة، لافتًا إلى أن المنطقة كانت تحت مراقبة مباشرة، حيث توجد آليات عسكرية إسرائيلية في محيط القافلة، إضافة إلى طائرات استطلاع كانت تحلق في الأجواء.

ويقول: "لم يكن هناك أي اشتباك أو مواجهة، كان أحمد يؤدي عملًا إنسانيًا، وإطلاق النار عليه كان قتلًا مباشرًا بحق شخص أعزل جاء لإيصال الطعام إلى المحتاجين".

"هل يُقتل من يحاول إطعام الجوعى؟"

ويؤكد خضر أن حادثة استهداف شقيقه ليست الأولى، مشيرًا إلى أن عددًا من سائقي شاحنات المساعدات تعرضوا سابقًا لإطلاق النار أو الاعتقال رغم حصولهم على التنسيقات اللازمة.

ويطالب المؤسسات الدولية والمنظمات الإنسانية وشركات النقل العاملة معها بالتحرك لحماية العاملين في مجال الإغاثة ومحاسبة المسؤولين عن استهدافهم.

ويقول بحسرة: "هل يُعقل أن يخرج الإنسان لإحضار الطعام للمجوعين ثم يُقتل في الطريق؟ أحمد كان ينفذ مهمة إنسانية بتنسيق كامل ويتلقى تعليمات الحركة من الجهات المختصة، ومع ذلك أُعدم أمام الجميع".

طفلان ينتظران أبًا لن يعود

ولم تتوقف مأساة العائلة عند فقدان أحمد، فقد ترك خلفه طفلين صغيرين؛ ابنته "ملك" التي لم تكمل عامها الأول، ونجله "ناصر" الذي لم يمضِ على ولادته سوى ثلاثة أسابيع، ليكبر دون أن يعرف والده إلا من الصور والحكايات.

من جانبها، أعلنت منظمة المطبخ المركزي العالمي مقتل أحمد اسليم، مؤكدة أنه كان يعمل سائقًا لنقل المساعدات الإنسانية في غزة، وأنه قُتل في أثناء نقل شحنة غذائية من معبر كرم أبو سالم إلى أحد مستودعات المنظمة داخل القطاع.

وأكدت المنظمة أن الحادث يسلط الضوء على المخاطر المتزايدة التي يواجهها العاملون في المجال الإنساني وسائقو شاحنات الإغاثة، الذين يخاطرون بحياتهم يوميًا من أجل إيصال الغذاء إلى السكان في قطاع غزة، في ظل استمرار تداعيات الحرب التي بدأت في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وتبقى قصة أحمد اسليم واحدة من قصص عشرات العاملين في الإغاثة الذين تحولوا من ناقلين للغذاء إلى ضحايا أثناء محاولاتهم الوصول إلى الجوعى، في وقت أصبحت فيه مهمة إيصال المساعدات نفسها محفوفة بالموت

المصدر / فلسطين أون لاين