فلسطين أون لاين

سأحدثكم عن بعض بطولات حركة فتح

لم تكن حركة فتح في يوم من الأيام حركة خانعة وذليلة، ترتضي بالمهانة والانحناء في وجه الأعداء. حركة فتح عبر تاريخها مقاومة، وسيف مشرع في وجه المحتلين، وبرز منها قادة قدموا أرواحهم فداءً للوطن، وبعضهم قدم عمره، ولما يزل خلف الأسوار، يرفض أن يساوم على تراب الوطن.

في مقالي هذا سأذكر موقعين لبطولات حركة فتح، لعل الأجيال الشابة، صغار السن والتجربة، وممن انتموا لحركة فتح في العشرين سنة الأخيرة، لعلهم يتعظون ويتعلمون، ويعرفون أن فتح صنعت تاريخها بالمواجهات والمقاومة والصمود والتحدي، وأن حركة فتح ستهدم مستقبلها من خلال النكوص عن عهد الشهداء، وإدارة الظهر للأبطال الأسرى.

الموقع الأول لبطولات حركة فتح كان في سجن عسقلان، سنة 1986، في تلك السنة اعتدى أحد ضباط السجن على أحد الأسرى بالضرب، وهنا ثارت ثائرة الأسرى، ومعظمهم من حركة فتح.

في ذلك اليوم كنت مريضاً جداً، ولم أخرج للباحة مع بقية الأسرى، فجاء ممثل المعتقل الأسير سفيان أبو زايدة، لزيارتي في غرفة 26 في سجن عسقلان.

دقائق معدودات، دخل إلى الغرفة 26 ضابط أمن السجن، وراح يبرر لسفيان أبو سمرة حادثة الاعتداء على الأسير، ويعتذر له عن خطأ الضابط، ويطلب الصفح عنه.

ولكن سفيان أبو زايدة لم يتهاون في حق الأسرى، وأصر في حديثه مع ضابط أمن السجن على ضرورة نقل الضابط المعتدي من سجن عسقلان إلى مكان آخر، وإلا سيضرب ويهان.

وعندما طال النقاش والحوار، قال ضابط أمن السجن لسفيان:

إنه ضابط مجنون.

وهنا رد سفيان أبو سمرة باللغة العبرية، وبعصبية، وبصوت مرتفع، وبقوة حركة فتح في مواجهات العدو ومقاومته:

إن كان لديك ضابط مجنون، فلدي 50 أسيرا مجنونا.

وخرج سفيان أبو سمرة من الغرفة تاركاً ضابط أمن السجن مذهولاً مرتبكاً من قوة سجين لا يمتلك من القوة إلا الإرادة.

في اليوم التالي نُقل الضابط الإسرائيلي المعتدي من سجن عسقلان.

الموقع الثاني لبطولات حركة فتح كان في سجن نفحة الصحراوي.

في أثناء الفسحة اليومية، كنت في باحة سجن نفحة أقرأ في كتاب باللغة الإنجليزية مع ممثل المعتقل هشام عبد الرازق، حين جاء الأسير الشهيد سمير القنطار، وقال لهشام ممثل المعتقل:

مدير السجن يريد التحدث معك

قال له هشام: لا أريد التحدث معه، لينصرف.

بعد قليل: عاد سمير القنطار، وقال لهشام:

مدير السجن وصل إلى أقسام السجن، وينتظرك للحديث.

قال له هشام: قل له لينصرف، لا أريد التحدث مع مدير السجن.

بعد قليل عاد سمير القنطار، وقال لهشام:

هذا هو مدير السجن يقف عند باب الباحة، وينتظرك للتحدث معه.

ودون أن يلتفت هشام، قال لسمير القنطار، لا أريد مقابلته.

وطلب مني أن أواصل القراءة، وكأن لا أحد يقف على باب الباحة.

عندئذٍ قلت لهشام:

لقد بالغت، اذهب وقابل مدير السجن، هذا جنرال، وبيده القرار.

قال لي هشام: هذه معركة، يجب أن ينكسر بها، ونحن نمتلك فيها أوراق القوة.

وأضاف هشام عبد الرازق هامساً:

اليوم امتحانات الثانوية العامة، ومدير السجن يريد أن يفتش كل أسير سيذهب إلى قاعة الامتحان، وأنا أرفض التفتيش، ما دمنا لم نخرج من السجن.

قلت لهشام: أنت بهذا التشدد، تضيع فرصة تقديم امتحانات الثانوية العامة على السجناء.

قال هشام: لا تقلق، هو معني بإجراء الامتحان، ولا يقدر على إلغاء قرار الحكومة بالموافقة على إجراء الامتحانات للأسرى.

هذه معركة، ويجب أن ينهزم فيها مدير السجن.

وبالفعل، بعد دقائق، سمعنا صوت مكبر الصوت ينادي على الأسرى بالتوجه إلى قاعة الامتحانات دون تفتيش.

ابتسم هشام عبد الرازق وقال: كنت واثقاً من ذلك.

تلك بعض المواقف البطولية لحركة فتح، مواقف تعتمد على المواجهة، والتحدي، والمقاومة، وعدم الخضوع، وعدم الركوع تحت أقدام المحتلين، وعدم التنسيق والتعاون الأمني معهم ضد رجال المقاومة.

أذكر تلك الوقائع كي تصل رسالتي إلى الأجيال الشابة من حركة فتح، التي لم تعرف من حركة فتح إلا جملة: التنسيق والتعاون الأمني مع المخابرات الإسرائيلية مقدس، مقدس، مقدس.

وتاريخ حركة فتح يقول: لا قداسة إلا للمقاومة، ولرجال المقاومة.

المصدر / فلسطين أون لاين