فلسطين أون لاين

خرجوا بحثًا عن الطحين.. عاد حسين شهيدًا ومحمد فاقدًا للبصر وموسى بعينٍ واحدة

...
الشقيقان محمد وموسى يعيشان رحلة طويلة من الألم الجسدي والنفسي بانتظار فرصة للعلاج خارج قطاع غزة
خانيونس/ ربيع أبو نقيرة

لم يكن الأشقاء الثلاثة محمد وموسى وحسين دبور يبحثون صباح التاسع عشر من يوليو/تموز 2025 سوى عن كيس طحين يخفف وطأة الجوع عن أسرتهم المكونة من 13 فردًا، لكن الرحلة القصيرة إلى مركز لتوزيع المساعدات انتهت بمأساة غيّرت حياتهم إلى الأبد؛ حسين عاد شهيدًا، ومحمد فقد بصره بالكامل، في حين خسر موسى إحدى عينيه وهو يحاول إنقاذ شقيقيه تحت وابل من الرصاص.

وبعد نحو عام على الحادثة، لا يزال الشقيقان يعيشان رحلة طويلة من الألم الجسدي والنفسي، بانتظار فرصة للعلاج خارج قطاع غزة، بعدما استنفدا كل ما هو متاح من إمكانات طبية داخل القطاع.

رحلة بحث عن الغذاء

كانت المجاعة وندرة الغذاء وارتفاع أسعار الطحين إلى مستويات غير مسبوقة السبب الذي دفع الإخوة الثلاثة إلى التوجه نحو مركز المساعدات، في محاولة لتأمين الحد الأدنى من احتياجات عائلتهم.

يروي محمد دبور (25 عامًا) تفاصيل ذلك اليوم لصحيفة "فلسطين"، قائلاً إن العائلة لم تعد قادرة على شراء الطعام بعد أن وصل سعر كيلو الطحين إلى نحو 250 شيكلًا.

ويقول: "كنا نروح نجيب طحين وأكل لعيلتنا، عددنا 13 شخصًا. الوضع كان مأساويًا، ما كان فيه أكل ولا شرب، وكنا نقضي يومين أو ثلاثة بلا طعام، لذلك اضطررنا للذهاب إلى مركز المساعدات."

لكن الرحلة انتهت بإصابته بعيار ناري متفجر انفجر في وجهه، فأدى إلى تهتك كامل في العينين، وفقدانه البصر بصورة نهائية، إلى جانب كسر في الفك وإصابات أفقدته حاستي الشم والتذوق.

ويقول محمد: "نُقلت إلى مجمع ناصر الطبي، ثم خضعت لعملية في المستشفى الأردني، وبعدها حصلت على تحويلة للعلاج، لكنني منذ ذلك الوقت أراجع المستشفيات والجهات المختصة دون أي نتيجة."

ويضيف أن حياته تحولت إلى معاناة يومية، بعدما أكد له أطباء أن حالته تحتاج إلى عمليات دقيقة لترميم الشبكيتين وزراعة قرنيات، وهي عمليات غير متوفرة في غزة.

ويقول: "كل يوم أبحث عن جهة تساعدني. قال لي أحد أطباء العيون إن هناك أملًا إذا أجريت هذه العمليات خارج غزة. كل ما أتمناه أن أخرج للعلاج، وأتخلص من هذا الألم، وأستعيد بصري من جديد."

عينٌ فقدها وهو ينقذ شقيقيه

إلى جوار محمد يقف شقيقه موسى دبور (29 عامًا)، وقد فقد عينه اليسرى في الحادثة ذاتها، بعدما حاول إنقاذ شقيقيه عقب إصابتهما.

ويستعيد موسى تلك اللحظات قائلاً إن الإخوة الثلاثة تمكنوا في البداية من الحصول على بعض المساعدات الغذائية، لكنهم تعرضوا لإطلاق نار كثيف أثناء مغادرتهم المكان.

ويقول: "كنا ثلاثة إخوة، وعدنا اثنين فقط. استشهد حسين أمام عيني، وعندما حاولنا سحبه أُصيب محمد، ثم أُصبت أنا، واستمر إطلاق النار علينا من كل الاتجاهات."

ويضيف أن إطلاق النار لم يتوقف حتى أثناء محاولته نقل المصابين، موضحًا أنه عثر على مركبة "توك توك" لإخلائهم، لكنها تعرضت أيضًا لإطلاق النار.

ويقول: "حملت محمد وحسين ومعهما مصابون آخرون، وأثناء مغادرتنا ظلت الدبابة تطلق النار علينا حتى أصابت التوك توك، وفقدت السيطرة عليه."

وصل موسى إلى مجمع ناصر الطبي وهو ينزف، إلا أن كثرة الإصابات أخرت إجراء العملية الجراحية لساعات طويلة.

ويقول: "من الساعة السابعة صباحًا حتى الرابعة عصرًا وأنا أنتظر. قدموا لي إسعافات أولية، ثم دخلت غرفة العمليات، وهناك فقدت عيني."

وجع لا ينتهي

ورغم مرور قرابة عام على إصابته، يقول موسى إن أكثر ما يؤلمه اليوم ليس فقدان عينه، بل سؤال طفلته الصغيرة التي لم تتجاوز العامين.

ويقول بصوت تغلب عليه الحسرة: "كلما رأتني تسألني: يا بابا، أين ذهبت عينك؟ ولماذا ليس لديك عينان؟ هذا السؤال يؤلمني أكثر من الإصابة نفسها."

ويضيف أن أقصى أمنياته اليوم هي السفر لتلقي العلاج، سواء لإعادة البصر إن أمكن، أو على الأقل لإجراء عملية تجميل وتركيب عين صناعية تخفف من آثار الإصابة.

وتجسد قصة الشقيقين دبور معاناة مئات الفلسطينيين الذين أصيبوا أثناء محاولتهم الوصول إلى المساعدات الغذائية في ظل المجاعة ونقص الغذاء، حيث لا يزال كثير منهم ينتظرون فرصة للعلاج خارج قطاع غزة، في ظل تعذر توفير الرعاية الطبية المتخصصة داخل مستشفيات القطاع.

وبينما يقترب عام كامل على تلك المأساة، يبقى محمد أسير الظلام، ويواصل موسى التعايش مع فقدان إحدى عينيه وندوب ذلك اليوم، فيما لا تزال العائلة تحمل وجع فقدان حسين، الذي خرج بحثًا عن الطعام ولم يعد إلا شهيدًا

المصدر / فلسطين أون لاين