بعد أكثر من ألف يوم على حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة، يواجه الأشخاص ذوو الإعاقة واحدة من أشد الأزمات الإنسانية والمعيشية في تاريخ القطاع، مع انهيار شبه كامل للمنظومات الصحية والاجتماعية والاقتصادية التي يعتمدون عليها لتلبية احتياجاتهم الأساسية. وبين فقدان مصادر الدخل، وتعطل خدمات التأهيل والرعاية، وارتفاع أسعار الأدوية والأجهزة المساندة، باتت هذه الفئة تكافح يوميًا من أجل البقاء، في حين تتسع دائرة الإعاقة مع تسجيل آلاف الإصابات التي قد تتحول إلى إعاقات دائمة.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الأشخاص ذوي الإعاقة وأسرهم يعيشون أزمة اقتصادية خانقة نتيجة فقدان مصادر الدخل، وارتفاع معدلات البطالة والفقر، إلى جانب التضخم الكبير والارتفاع المتواصل في أسعار المواد الغذائية واللوازم الطبية.
كما أصبحت مئات العائلات عاجزة عن توفير الأجهزة المساندة، والنظارات الطبية، والأدوية، وغيرها من الاحتياجات الأساسية، مع محدودية المساعدات الإنسانية وعدم قدرتها على تغطية الحد الأدنى من متطلبات هذه الفئة.
وتزداد الأزمة تعقيدًا مع ظهور آلاف الإصابات الجديدة التي خلّفت إعاقات دائمة أو طويلة الأمد، في وقت تفتقر فيه المنظومة الصحية إلى برامج كافية للتأهيل الجسدي والدعم النفسي والمساندة الاقتصادية.
فقر وعوز
وقال الرئيس التنفيذي لجمعية منتدى غزة لذوي الإعاقة البصرية، م,علي طعيمة: إن الحرب عمّقت الأزمة الاقتصادية التي يعيشها الأشخاص ذوو الإعاقة، بعدما فقد كثيرون مصادر دخلهم المحدودة أصلًا، ما دفعهم إلى دائرة الفقر والعوز.
وأوضح طعيمة لصحيفة "فلسطين" أن توقف الأنشطة الاقتصادية، وتدمير المنشآت، وانعدام فرص العمل، جعل هذه الفئة من الأكثر تضررًا، خاصة أن فرص تشغيلها قبل الحرب كانت محدودة وتعتمد في الغالب على أعمال بسيطة أو مصادر دخل غير مستقرة.
وأضاف أن الأسر التي تضم أشخاصًا من ذوي الإعاقة تتحمل أعباء مالية إضافية، تشمل تكاليف العلاج، والأدوية، والأجهزة المساندة، ووسائل التنقل، وهي احتياجات بات توفيرها بالغ الصعوبة في ظل الظروف الراهنة.
وأكد أن الأزمة تجاوزت كونها ضائقة اقتصادية مؤقتة، وتحولت إلى حالة هشاشة تهدد قدرة الأشخاص ذوي الإعاقة على الصمود، في ظل غياب برامج حماية اجتماعية فاعلة، محذرًا من أن استمرار الأوضاع الحالية سيقود إلى مزيد من التدهور الصحي والنفسي والاجتماعي.
من جانبه، أكد المختص بشؤون ذوي الإعاقة، د.نادر بشير، أن هذه الفئة تخوض صراعًا يوميًا من أجل البقاء، في ظل غياب بيئة آمنة وخدمات قادرة على الاستجابة لاحتياجاتها.
وقال لـ"فلسطين" إن تداعيات الحرب لم تقتصر على فقدان مصادر الدخل، بل امتدت إلى صعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية، موضحًا أن تدمير البنية التحتية، وتراجع خدمات الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، فاقم المخاطر التي تواجه الأشخاص ذوي الإعاقة.
وأشار إلى أن تعطل مراكز التأهيل، وغياب وسائل النقل الملائمة، وصعوبة الوصول إلى مراكز الإيواء والخدمات، أسهم في زيادة العزلة والضغوط النفسية، داعيًا إلى إدماج الأشخاص ذوي الإعاقة في خطط الإغاثة والاستجابة الإنسانية، وتوفير دعم مباشر يراعي خصوصية احتياجاتهم.
تحديات كبيرة
بدوره، شدد، رئيس قسم بطاقات المعاقين في وزارة التنمية المجتمعية، د.باسل عابد على أن الأشخاص ذوي الإعاقة يمثلون إحدى أكثر الفئات هشاشة خلال الأزمات، مؤكدًا أن الظروف الإنسانية في قطاع غزة ضاعفت حجم التحديات التي يواجهونها.
ودعا عابد، في حديثه لـ"فلسطين"، إلى تعزيز التنسيق بين الجهات الرسمية والمؤسسات الأهلية والدولية لضمان توفير بيئة أكثر أمانًا وشمولًا، والعمل على تلبية الاحتياجات الأساسية لهذه الفئة بشكل عاجل ومستدام، بما يحفظ كرامتهم ويصون حقوقهم.
وفي السياق ذاته، استعرضت الخريجة صابرين بركات جانبًا من الواقع اليومي للأشخاص ذوي الإعاقة، مشيرة إلى أن الأزمة الاقتصادية جعلت توفير أبسط المستلزمات أمرًا بالغ الصعوبة.
وقالت لـ"فلسطين": "الأسرة اليوم بالكاد تستطيع تأمين قوت يومها، فكيف لها أن توفر احتياجات إضافية لأبنائها من ذوي الإعاقة؟".
وأضافت أن الحصول على وسائل مساندة، حتى المستعملة منها، أصبح شبه مستحيل بسبب ارتفاع الأسعار وشح الموارد، مؤكدة أن كثيرًا من الأشخاص ذوي الإعاقة يعيشون حالة من العزلة نتيجة صعوبة التكيف مع الواقع الحالي.
ولفتت إلى أن الحرب خلّفت أعدادًا متزايدة من الأشخاص ذوي الإعاقة الذين يحتاجون إلى تدخلات عاجلة، سواء على المستوى النفسي أو المعيشي، في ظل محدودية الدعم المتاح.
وفي السياق، أفاد تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) بأن أكثر من 43 ألف فلسطيني في قطاع غزة يعانون من إصابات "مغيّرة للحياة"، تشمل حالات البتر، وإصابات العمود الفقري والدماغ، والحروق الشديدة، وهي إصابات قد تؤدي إلى إعاقات دائمة أو طويلة الأمد، ما ينذر بتفاقم الاحتياجات الإنسانية وخدمات التأهيل خلال السنوات المقبلة.