{ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبّ إِنّي وَضَعتُها أُنثى﴾
في مسار النبوة الخالد، كانت المرأة دائمًا ركيزةً في بناء الرسالة: مريم ابنة عمران التي اصطفاها الله، امرأة فرعون التي ضرب الله بها مثلًا للمؤمنين، خديجة أول من آمنت واحتضنت البعثة، وسمية أول شهيدة في الإسلام. وفي قصة موسى عليه السلام، كانت الأم التي ألقت وليدها في اليم، والأخت التي تبعته، والزوجة التي اختارته ليكون سندًا. كل هذه النماذج القرآنية والتاريخية تؤكد أن وراء كل رجل عظيم امرأة عظيمة.
واليوم، في محرقة غزة، يتجلى هذا الدور في أبهى صوره. المرأة الفلسطينية ليست مجرد نصف المجتمع، بل هي عموده الفقري، وسنديانة الصمود، وعمود الخيمة الذي يحفظ توازن الملحمة. إنها الأم التي تودع ابنها الشهيد كما ودعت الخنساء أبناءها، وهي الزوجة التي تصبر على الفقد، والأخت التي تشد من أزر أخيها، والابنة التي تحمل راية الجيل الجديد. إنها الطبيبة والمعلمة والراعية، وفي الوقت نفسه الحاضنة الأولى لمشروع التحرير.
مأساة الأم الفلسطينية ليست مجرد وداعٍ للأبناء، بل حملٌ لوجع الوطن كله. هي القلب الذي ينزف ويصنع الأمل وسط الركام. الحرب لا تُقاس بعدد الشهداء وحده، بل بعدد القلوب التي انكسرت والأحلام التي أُجهضت.
مشهد أم الشهيد محمد أبو خماش وهي تحمل أشلاء ابنها يلخص الثمن الإنساني الباهظ للحرب، ويطرح على ضمير العالم سؤالًا مفتوحًا: كم من الأمهات يجب أن يفقدن أبناءهن في ظل حالة الخذلان والصمت المطبق؟
المرأة الغزية اليوم هي خنساء العصر، تحمل في قلبها عظمة الصبر وصدق الاحتساب. كما قدّمت الخنساء أبناءها الأربعة في سبيل الله وهي تقول: الحمد لله الذي شرّفني باستشهادهم، كذلك تفعل أمّهات غزة؛ يودعن أبناءهن الشهداء بدموع حارّة، لكنهن يرفعن رؤوسهن شامخات، يرددن أن الفقد ليس هزيمة بل وسام شرف عند الله.
هي الأم التي تُشيّع فلذة كبدها إلى الجنة، ثم تعود لتشدّ أزر إخوتهم، وتغرس فيهم روح الفداء. هي التي تحوّل بيت العزاء إلى منبر عزيمة، وتحوّل الفقد إلى مدرسة صبر، وتحوّل الدم إلى مداد يكتب قصة التحرير.
إنها خنساء غزة، التي جعلت من الحزن قوة، ومن الفقد أملًا، ومن دماء أبنائها طريقًا إلى القدس، لتبقى شاهدة على أن المرأة الفلسطينية ليست فقط أمًّا للشهداء، بل أمّةً كاملة من الصمود والبطولة.
في غزة، حين يُرزق الرجل بأنثى، يستبشر بها كما استبشر عمران بمريم، لأنها مدماك فولاذي في طريق القدس، ونموذج أسطوري للصبر والرباط والجهاد.
المرأة الفلسطينية اليوم ليست فقط شاهدة على المأساة، بل هي صانعة التاريخ، كلمة السر في الصمود والثبات والانتصار. لقد ارتقت في الصفوف الأولى، دفعت أثمانًا باهظة، لكنها بقيت شامخة كسنديانة باسقة، تظلل الأرض وتغرس جذورها في عمقها.
إنها سيدة الأرض، الشهيدة، والاستشهادية، التي تُحسب عند الله من سيدة نساء الجنة. هي التي تعطي محرقة غزة معناها الملحمي، وتحوّل الألم إلى قوة، والفقد إلى أمل، والدم إلى مدادٍ يكتب قصة التحرير.
وحين يرفع العالم شعارات المساواة والتمكين، تقف المرأة الفلسطينية شاهدةً على أن التمكين الحقيقي يُصنع في ساحات الصمود لا في قاعات المؤتمرات.
اليوم، تصبح المرأة الفلسطينية النموذج الأسمى للمرأة العالمية؛ فهي الأم والأخت والزوجة والطبيبة والمعلمة، وهي في الوقت نفسه أيقونة التحرير وصوت العدالة الذي لا ينكسر. ومن غزة، تُرسل رسالتها إلى نساء العالم: أن الكرامة لا تُوهب، بل تُنتزع بالصبر والرباط، وأن الحرية لا تُمنح، بل تُصنع بالتضحيات. إنها سيدة الأرض، وسيدة شهداء الجنة، التي جعلت من المرأة نموذجا خالداً للبطولة والصبر.

