فلسطين أون لاين

7 أكتوبر.. الكابوس الذي أعاد (إسرائيل) إلى هواجس العقد الثامن

لم يعد السابع من أكتوبر في (إسرائيل) مجرد تاريخ يُستحضر عند الحديث عن الإخفاق والفشل الأمني، بل أصبح عقدةً نفسية وسياسية وإستراتيجية تُلقي بظلالها على كل نقاش يتعلق بمستقبل الكيان. 

ومع اقتراب استحقاق الانتخابات، يعود هذا اليوم إلى صدارة المشهد، لأن الإسرائيليين يدركون أن ما انهار في ذلك اليوم لم يكن السياج الأمني فحسب، بل إحدى أهم ركائز العقيدة الصهيونية: الاعتقاد بأن إسرائيل قادرة على ضمان أمنها وتفوقها إلى الأبد.

لقد وصف قادة الاحتلال ما جرى بأنه أكبر فشل في تاريخ إسرائيل، لكن تأثيره تجاوز حدود المؤسسة العسكرية ليضرب فكرة الدولة ذاتها. فمنذ تأسيسها، قامت إسرائيل على معادلة بسيطة: التفوق العسكري يضمن البقاء. 

إلا أن ساعات قليلة في السابع من أكتوبر أثبتت أن امتلاك أحدث التكنولوجيا وأقوى أجهزة الاستخبارات لا يمنع انهيار منظومة الردع عندما تواجه اختبارًا حقيقيًا.

وهنا يصبح من المهم قراءة الحدث في سياق النقاش الإسرائيلي الداخلي الذي سبق السابع من أكتوبر بسنوات، وتحديدًا ما يتعلق بما يعرف بـ”لعنة العقد الثامن”. 

فقد حذر عدد من المفكرين والباحثين الإسرائيليين من أن إسرائيل تدخل أخطر مراحلها التاريخية، وأن الانقسامات الداخلية قد تكون أخطر عليها من أي تهديد خارجي.

كان من أبرز هؤلاء المؤرخ الإسرائيلي أرنون سوفر، كأحد مهندسي الانفصال عن غزة عبر ترويجه لسياسة الفصل للحد من "الخطر الديموغرافي" المتمثل في ازدياد عدد الفلسطينيين، وهو صاحب مواقف وآراء متطرفة تجاههم، والذي حذّر مرارًا من أن إسرائيل تواجه تحديات وجودية مركبة، وأن استمرار الصراع الداخلي والتغيرات الديموغرافية وفقدان التماسك المجتمعي قد يهدد مستقبل المشروع الصهيوني نفسه. ولم يكن حديثه عن الخطر نابعًا فقط من البيئة الإقليمية، بل من هشاشة البنية الداخلية للدولة.

أما رئيس الوزراء السابق إيهود باراك، فقد كان أكثر صراحة عندما شبّه إسرائيل في أكثر من مناسبة بـ”الهيكل الثالث”، محذرًا من أن هذا الكيان قد لا يصمد إذا استمرت حالة الانقسام والاستقطاب الداخلي. 

واستعاد باراك الرواية التاريخية التي تقول إن الكيانين اليهوديين السابقين سقطا بسبب الصراعات الداخلية قبل أن يسقطا بفعل الأعداء، معتبرًا أن الخطر الحقيقي على إسرائيل قد يأتي من داخلها أكثر مما يأتي من خارجها.

وفي السياق ذاته، برزت تحذيرات اللواء المتقاعد إسحاق بريك، الذي أمضى سنوات قبل السابع من أكتوبر وهو يهاجم أداء الجيش الإسرائيلي، محذرًا من تراجع جهوزيته، ومن حالة الغرور التي أصابت المؤسسة العسكرية. وقد أكد بريك مرارًا أن الجيش لم يعد مستعدًا لحرب متعددة الجبهات، وأن القيادة العسكرية تقدم صورة مضللة عن قدراتها الحقيقية. 

وبعد السابع من أكتوبر، عاد كثيرون إلى كتاباته باعتبارها تنبؤًا مبكرًا بما جرى، بعدما أثبت الواقع أن الخلل كان أعمق بكثير مما اعترفت به المؤسسة العسكرية.

وجاء السابع من أكتوبر ليحوّل تلك التحذيرات النظرية إلى واقع عملي. *ففكرة “العقد الثامن” لم تعد مجرد نقاش داخل مراكز الدراسات، بل أصبحت هاجسًا حاضرًا في الوعي الإسرائيلي. 

ولم يعد السؤال: كيف وقع السابع من أكتوبر؟ بل أصبح: هل كانت هذه بداية مرحلة تاريخية جديدة يدخل فيها المشروع الصهيوني طور التآكل الداخلي؟

من هنا يمكن فهم حجم الحرب التي شنتها إسرائيل بعد ذلك اليوم. فلم تكن حربًا للانتقام فقط، ولا لتحقيق أهداف عسكرية فحسب، بل كانت محاولة لاستعادة صورة الدولة التي لا تُهزم، ومحو آثار اليوم الذي كسر هيبة الجيش وأصاب المجتمع الإسرائيلي بصدمة غير مسبوقة. إلا أن استمرار الحرب، وتعثر تحقيق أهدافها، واتساع الانقسامات السياسية، وتصاعد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، جعلت الكابوس يتعمق بدل أن يتلاشى.

ولعل تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن إسرائيل ما كانت لتصمد لولا الدعم الأمريكي، يعكس جانبًا آخر من الأزمة. فالدولة التي قدمت نفسها لعقود باعتبارها القوة الإقليمية المطلقة، باتت تُقدَّم حتى من أقرب حلفائها باعتبارها معتمدة بصورة جوهرية على المساندة الأمريكية، وهو ما يضيف بعدًا جديدًا للنقاش الإسرائيلي حول القدرة على الاستمرار.

أخطر ما خلفه السابع من أكتوبر ليس حجم الخسائر العسكرية، بل انهيار اليقين الإسرائيلي. 
فقد سقطت أسطورة الردع المطلق، وعادت أسئلة الوجود إلى الواجهة، وعادت معها المخاوف التي ظن قادة إسرائيل أنهم دفنوها منذ عقود. 

ولهذا سيبقى السابع من أكتوبر حاضرًا في العقل الإسرائيلي، ليس لأنه يوم هجوم غير مسبوق فحسب، بل لأنه اليوم الذي أعاد المشروع الصهيوني إلى مواجهة السؤال الذي حاول الهروب منه طويلًا: هل تكفي القوة العسكرية وحدها لضمان البقاء؟

المصدر / فلسطين أون لاين