فلسطين أون لاين

شادي أبو صبحة يكتب: ازدواجية المعايير.. عندما تتحول الشعارات إلى انتقائية

قال حسام حسن، مدرب المنتخب المصري، إن ما تعرض له فريقه أمام الأرجنتين كان ظلمًا تحكيميًا، متسائلًا: أين ذهبت شعارات "Fair Play" عندما حُرم منتخب مصر من حقه؟

تخيّل أن هذا القدر من الإحساس بالظلم اجتاح الملايين بسبب مباراة كرة قدم، وكيف امتلأت المنصات بالاعتراضات، واستُحضرت قيم العدالة والإنصاف للدفاع عن حق منتخب عربي. فهذا التفاعل يؤكد أن الشعور بالظلم فطري، وأن الناس ترفضه حتى عندما يتعلق بمباراة.

لكن هذا المشهد يفتح بابًا لسؤال أكبر: أين كانت هذه الأصوات عندما كانت غزة تُباد أمام أنظار العالم؟ لقد شاهد العالم، على الهواء مباشرة، أحياءً كاملة تُسوّى بالأرض، ومنازل تُهدم فوق ساكنيها، وعائلات تُمحى من السجل المدني، وعشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، وملايين المدنيين يواجهون النزوح والجوع والخوف، في حين ظل التحرك الدولي عاجزًا عن وقف المأساة أو إنهاء معاناة المدنيين.

إذا كان العالم لا يتوقف عن الحديث عن "اللعب النظيف" في الملاعب، فأين يكون هذا "اللعب النظيف" عندما يتعلق بحياة البشر؟ وهل تبقى العدالة قيمة عالمية، أم تتحول إلى مبدأ يُطبَّق بانتقائية وفقًا للمصالح والاعتبارات السياسية؟

لسنوات، رُفعت شعارات الحرية، وحقوق الإنسان، والديمقراطية، وحرية التعبير باعتبارها مبادئ لا تتجزأ. لكن الحرب على غزة دفعت كثيرين إلى التساؤل عن مدى اتساق تطبيق هذه المبادئ، في وجود الجدل الذي رافق التعامل مع الاحتجاجات المؤيدة لغزة في بعض الدول، واستمرار مشاهد الدمار والقتل التي تناقلتها وسائل الإعلام دون أن يوازيها تحرك يرقى إلى حجم الكارثة الإنسانية.

الظلم في كرة القدم قد يحرم منتخبًا من مواصلة مشواره، لكنه ينتهي مع صافرة النهاية. أما الظلم الذي يعيشه أهل غزة فيحرم شعبًا كاملًا من الأمن والحياة والمستقبل، ويترك وراءه مدنًا مدمرة، وعائلات ثكلى، وأطفالًا لا يعرفون من طفولتهم سوى الحرب.

لقد تعاطف الملايين مع المنتخبات العربية لأنها تمثلهم، وارتفعت الأصوات دفاعًا عن العدالة الرياضية. لكن السؤال الذي يبقى حاضرًا هو: إذا كانت مباراة واحدة قادرة على استنفار هذا الكم من الغضب، فلماذا لم تستطع مشاهد القتل، وهدم البيوت فوق ساكنيها، واستشهاد عشرات الآلاف من المدنيين، أن تستنفر الضمير العالمي بالقدر نفسه؟

لقد سقطت الشعارات عند أول اختبار حقيقي. سقطت العدالة عندما اختلف معيارها باختلاف الضحية، وسقط "Fair Play" عندما أصبح الإنصاف حكرًا على الملاعب، وسقطت حرية التعبير عندما قُيّدت أصوات المتضامنين مع غزة، وسقطت شعارات حقوق الإنسان والديمقراطية عندما عجزت عن حماية المدنيين أو وقف المأساة.

ولم يكن سقوطها في الكلمات، بل في المواقف. فالقيم لا تثبت صدقها بما يُكتب في المواثيق، وإنما بما يُفعل عندما تكون كلفة الدفاع عنها مرتفعة. أما إذا كانت تُطبَّق على شعب وتُحجب عن آخر، فإنها تفقد صفة العالمية، وتتحول إلى شعارات انتقائية لا مبادئ إنسانية.

المصدر / فلسطين أون لاين