📌#رسالة_قرآنية_من_محرقة_غزة
﴿وَعَجِلتُ إِلَيكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ (طه: 84)
المحرقة التي اجتاحت غزة لم تكن مجرد حرب، بل زلزال أعاد ترتيب الأولويات، ليكشف أن الآخرة خير وأبقى، وأن الدنيا ظلّ زائل، وأن الموت أقرب من حبل الوريد. وسط نارٍ أحرقت كل معالم الحياة، اختفى صوت الأذان، وغابت خطب الجمعة، وتلاشت ملامح الزمن، حتى صار اليوم جمعة بلا ذكرى، وسورة الكهف بلا تلاوة، وأحلام الإنجازات العلمية معلّقة في فضاء اللايقين.
هناك، حيث يذوب المنطق في أتون الألم، تبرز قيمة الإيمان كحبل نجاة، يربط الروح بالسماء، ويمنح العمل معنىً مقدسًا لا يسقط مهما انهارت الدنيا من حوله. فالمهام التي تُنجز بإتقان حتى الخطوة الأخيرة، هي التي تُكتب في سجل الخلود، كما قال النبي ﷺ: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه."
لقد عاتب الله موسى حين عجل بلقاء ربه وترك قومه بلا قيادة، فقال له: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى﴾ (طه: 83)، فأجاب: ﴿وَعَجِلتُ إِلَيكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ (طه: 84). إنها غاية الغايات، لكنها لا تكتمل إلا بحفظ الجماعة وصون الأمانة. وهكذا، في غزة، يصبح العمل الصادق ثباتًا وسط الزوابع، والإرادة المتوهجة نورًا في ظلمات المحن، لتُكتب قصة صمود لا تنكسر، وتُرفع راية الحياة فوق الركام والدمار.
المهام المؤجلة التي كانت تنتظر الإنجاز العلمي أو العملي، ذابت تحت وطأة الأولويات الجديدة: البقاء، الصبر، الذكر، والرباط. فالحياة توقفت، والموارد اندثرت، والطعام والماء والكهرباء غابت، لكن بقيت المهام المقدسة التي لا يمكن النوم دون إنجازها: ورد القرآن، أذكار الصباح والمساء، أعمال الليل والنهار التي لا يقبلها الله إلا في وقتها.
غزة اليوم تعلّم العالم أن ترتيب الأولويات يبدأ من الروح، وأن أعظم الإنجاز هو الثبات على الإيمان وسط المحرقة. إنها مدرسة قاسية، لكنها تُخرج أجيالًا من الصابرين الذين يكتبون بدمائهم أن الحياة لا تُقهر، وأن الموت نفسه يتحول إلى بابٍ للخلود.
اللهم ثباتًا من عندك، وارفع عنّا البلاء، وارزقنا الصبر والكرامة، والنصر المبين، كما وعدت عبادك الصابرين.

