فلسطين أون لاين

تقويض الأونروا بقرار أمريكي.. استهداف مباشر لأهالي غزة ومنحهم الوفاة السياسية

غزة كتلة موحدة وبقعة واحدة، وهي جزء غير قابل للتجزئة من الأرض الفلسطينية، وشعبنا لا يقبل تقسيم كيانات أو قطاعات، أو فرض مصطلحات تحاول تفتيت الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية، مثل ما يطلقه مجلس السلام من مسميات عديدة حول "غزة الجديدة" أو "شعب غزة". وشعب فلسطين واحد في كافة أماكن وجوده، وبقاؤه على هذه الأرض يمثل الانتصار المعنوي في معركة الوجود والبقاء، رغم آلة القتل والإبادة وسياسة النزوح الإجباري والتهجير الطوعي.

ما يدعيه مجلس السلام بشأن خطة "غزة الجديدة" يعد مؤامرة بديلة، وتصفية جديدة لما بقي من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وحالة التوغل والاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة بالضفة الغربية وقطاع غزة، وتصفية الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني عقب قرار ضم الأراضي في الضفة واحتلال 75٪ من مساحة غزة. أما تصريحات تقليص أو تقويض الأونروا، فتعني تفاقم جذور المعاناة التي يتعرض لها اللاجئون الفلسطينيون منذ ثمانية وسبعين عامًا.

وفي تطور سياسي خطير يعكس انحيازًا تامًا لرواية الاحتلال، جاء إعلان "مجلس السلام" في قطاع غزة، بادعائه أنه لا مكان لوكالة (الأونروا) في مستقبله المعنون بـ"غزة الجديدة"، داعيًا الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى تمويله كبديل شرعي وحيد بدلًا من وكالة الغوث. ويمكن تلخيص دعوة مجلس السلام المنحازة لرواية الاحتلال من خلال:

انحياز مجلس السلام وشطب قضية اللاجئين: الأمر الذي يعكسه إعلان "مجلس السلام" عدم وجود مكان للأونروا في مستقبله، ودعوته إلى تمويل هياكله كبديل عنها، مثّل انحيازًا كاملًا لرواية الاحتلال ومساعيه، ويهدف هذا الطرح إلى تحويل قضية اللاجئين من ملف سياسي وحق قانوني إلى مجرد ملف إغاثي واقتصادي عابر.

استهداف الأونروا وإسقاط حق العودة: يتجاوز استهداف الوكالة الجانب الإنساني ليتجه مباشرة نحو قيمتها السياسية؛ فالأونروا تمثل الشاهد الدولي الراسخ على حفظ حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، وتفكيكها يعني محاولة شطب هذا الحق المكفول دوليًا وإسقاطه، عقب الأحداث المتسارعة في الأراضي الفلسطينية.

الدعم الخارجي والانتهاكات الميدانية: تتقاطع هذه المخططات السياسية، المدعومة بمواقف أمريكية داخل مجلس الأمن، مع استمرار عدم التزام الاحتلال الإسرائيلي باتفاق وقف إطلاق النار؛ حيث تتواصل الخروقات العسكرية على الأرض لفرض واقع جديد يعزل مؤسسات الشرعية الدولية، ويصفي القضية الفلسطينية تمامًا.

إن استبعاد مجلس السلام لـ"الأونروا" من قطاع غزة، رغم تفويضها المتجدد حتى عام 2029، والتي تشكل العمود الفقري لشبكة خدمات أساسية لنحو 5.9 مليون لاجئ فلسطيني، هو محاولة لتصفية ولاية أممية، ويشكل تجاوزًا غير قانوني لتفويض الجمعية العامة للأمم المتحدة، وإلغاءً كاملًا لحقوق اللاجئين الفلسطينيين. بمعنى إسقاط حق العودة الجديد، المتمثل في عودة سكان غزة إلى بيوتهم في محافظات قطاع غزة، والقديم، المتمثل في عودة الشعب الفلسطيني اللاجئ في مخيمات الشتات ومخيمات الضفة وغزة إلى بلداته وقراه المحتلة منذ حرب النكبة عام 1948.

بينما تتجاهل التصريحات الأخيرة لمجلس السلام، بشأن عدم وجود مكان لـ"الأونروا"، أن الحاجة إلى المساعدات هي نتيجة مباشرة لسياسات الاحتلال والحصار والتجويع والنزوح، وفيها تبنٍ للروايات الإسرائيلية التحريضية، ما يجعلها أداة سياسية منحازة لإعادة هندسة الواقع الفلسطيني وفق شروط الاحتلال.

كما أن هذه التصريحات العلنية تعارض رأي محكمة العدل الدولية لعام 2025، الذي أقر عدم الاعتراف بأي ترتيب يقوض عمل "الأونروا" في غزة، وأوجب الالتزام بالأداء الإغاثي والمهام الإنسانية، والدعم المعنوي والمادي الإيجابي لسكان غزة.

وفي المقابل، يواصل كيان الاحتلال تفكيك الوكالة بخنقها لوجستيًا، وتقويض دورها سياسيًا، وإنهاء مهامها، في تحدٍ جلي للنظام الدولي. وقد سبق هذا الإعلان قرار فصل مئات الموظفين مؤخرًا، بحجة ممارسة العمل السياسي والانتماء للفصائل في غزة، فيما أسفر استهداف الاحتلال الإسرائيلي لـ"الأونروا" عن ارتقاء 391 موظفًا أمميًا شهداء، وتدمير 312 منشأة صحية وتعليمية وإدارية للوكالة خلال حرب الإبادة على غزة.

الخلاصة، إن شعب غزة منهك، وعلى حافة الانفجار كالبركان الذي يغلي في جوف الأرض، إثر الحالة المعيشية والنفسية الناتجة عن الحرب والعدوان، وسياسات التجويع والنزوح والحصار والقتل الواضح جهارًا نهارًا، وزج الناس والمواطنين في ضيق معيشي خانق، وحالة نفسية قاسية.

واستهداف الأونروا بقرار أمريكي لتقويض دورها وإنهاء تفويضها بمهامها كوكالة إغاثة وتشغيل للاجئين، هو أمر يفاقم معاناة سكان قطاع غزة، ويزيد عليهم الخناق رويدًا رويدًا، لكسر ثباتهم ودفعهم إلى الرحيل عن أرضهم، ومنحهم الوفاة السياسية المبكرة، المتمثلة في أعراض إعدام بطيء للفلسطينيين، والغزيين على وجه الخصوص، بهدف تشجيع الهجرة الطوعية لسكان غزة، أو الرضوخ لسياسات تقليص المساعدات الإنسانية، والأدوية، والبضائع التجارية، لتشديد الحصار وفرض عقوبات جديدة، كالتجويع والنزوح، عقب أي عملية عسكرية مرتقبة.

المصدر / فلسطين أون لاين