بينما كان نبأ حل لجنة العمل الحكومي يُتداول في غزة، انشغلت وفاء جندية (54 عاما) بخبز الأرغفة للنازحين باستخدام فرن الطينة مقابل أجر زهيد، وهي تستنشق الدخان المنبعث من الكرتون المشتعل في مهمة يومية لتوفير لقمة عيشها، متسائلة عما إذا كانت "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" ستتحمل مسؤولياتها وما إذا كان الاحتلال سيسمح لها بذلك.
تتحمل وفاء يوميا مشاق التنقل من غرفة نزوحها القسري في معهد الأمل للأيتام إلى مفترق الشعبية بمدينة غزة مشيا على الأقدام لتشغيل فرن الطينة الذي تستخدمه كمصدر دخل لا يسد رمق حياة عائلتها، وسط تنصل الاحتلال من التزام اتفاق وقف الحرب الذي أُعلن في أكتوبر/تشرين الأول 2025 بما في ذلك تقييده دخول المساعدات الإنسانية ومقومات العيش.
واليوم، أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة في بيان استقالة رئيس لجنة الطوارئ الحكومية وحل اللجنة رسميا، وذلك تمهيدا لنقل المهام الإدارية وإدارة الحكم في القطاع إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة.
وتعبر وفاء لصحيفة "فلسطين"، عن سلسلة من الحقوق التي ينتظر مئات الآلاف من النازحين في غزة الحصول عليها لاسيما أنها فقدت بيتها الذي سواه الاحتلال بالأرض في حي الشجاعية وبات يقع خلف ما يسمى "الخط الأصفر".
بأنفاس متقطعة بسبب الدخان، تقول وفاء التي استشهد ابنها البكر (31 عاما) وترك وراءه طفلة باتت يتيمة: "مرتاحة لقرار العمل الحكومي، لكن لازم يكون في دور للجنة الوطنية لإدارة غزة وتكون من جوا غزة مش تابعة لحد برا... احنا اللي بنفهم البلد وأحوالها".
تطالب بأن تكون اللجنة الوطنية مُتوافق عليها من كل الفصائل، قائلة: "كما أن الفصائل كلها شاركت في المقاومة خلال الحرب، لازم تكون مشاركة في الإدارة القادمة".
وعن أولويات الاحتياجات، تذكر الحاجة الملحة لإعادة إعمار ما دمره الاحتلال وتبلغ نسبته 90% من القطاع وفق معطيات رسمية، مضيفة أن إعادة الإعمار ستستغرق وقتا، وأن الخطوة الأولى هي توفير إيواء مناسب للنازحين يليق بتضحياتهم وصبرهم، كبديل عما يشغلونه من بقايا المدارس والمرافق عامة.
وتولي وفاء اهتماما كبيرا بإعادة افتتاح المدارس، محذرة من خطر انقطاع التعليم على الجيل الحالي في غزة.
ومع معاناتها من مرض الضغط والانقطاع المتكرر للعلاج، تطالب وفاء بإدخال الدواء والمستلزمات الطبية. ويعاني زوجها أيضًا من أمراض الضغط والقلب والرئة لاسيما بعد أن استشهد نجله البكر.

وفي لحظة استشعرت بها النجاح الأمني الذي حققته أجهزة الأمن في غزة على مدار الأعوام الماضية، تؤكد ضرورة ضمان استمرار الأمن والأمان والاستقرار في غزة خلال المرحلة المقبلة عبر التوافق الوطني.
وتعيل وفاء أسرتها المكونة من ثلاث فتيات، في وقت يعجز فيه ابناها المتزوجان عن توفير لقمة العيش في ظل الحصار واستمرار تداعيات الحرب.
لكنها لا تبدي تفاؤلا إزاء إمكانية سماح الاحتلال بحصول الغزيين على حقوقهم، مطالبة الدول العربية والإسلامية بالوقوف في وجه ظلمه، والضغط عليه.
دحض رواية الاحتلال
وعلى بعد متر واحد فقط من وفاء، كان المسن محمد جحا (72 عامًا) ينتظر نضوج الأرغفة، بعد أن قطع مئات الأمتار من منزله شبه المدمر وسط مدينة غزة، والذي تتقاسم ست عائلات ما تبقى من غرفه.
يرى جحا الذي فقدت عائلته أكثر من 300 شهيد، أن قرار "العمل الحكومي" جاء بوصفه "خطوة مهمة" تسعى إلى التنفيس عن الناس ودحض رواية الاحتلال، لكنه يؤكد أن نجاحها مرهون بوجود حكومة فلسطينية تشارك فيها مختلف القوى الوطنية، وتكون قادرة على فرض النظام العام وحماية الأمن بعيدًا عن أي تبعية خارجية وعن مليشيات العملاء.
ولا يبتعد حديثه لصحيفة "فلسطين"، عن تفاصيل يومه؛ فإعادة إعمار المنزل، وإدخال مواد البناء، وخفض الأسعار، بالنسبة إليه هي حقوق وشروط للعودة إلى حياة طبيعية افتقدها منذ بدء الإبادة على وجه الخصوص. يقول: "بدنا نزبط الدار... بدنا مقومات الحياة". كما يدعو الدول العربية إلى ممارسة ضغوط على الاحتلال للسماح بالإعمار.

صمود الشعب
وفي وسط مدينة غزة، كان كايد الجعل (65 عامًا) يحمل وعاءين من الفاصولياء حصل عليهما من إحدى التكايا، بعدما قطع قرابة كيلومتر سيرًا على الأقدام من خيمته المقامة قرب السرايا، لتأمين وجبة لعائلة يعيلها تضم 25 فردًا، بينهم سبعة أيتام.
نزح الجعل قسرًا من منزله المدمر في حي الزيتون، ويعيش اليوم بلا عمل معتمدًا على التكايا. يشيد الرجل بأداء لجنة العمل الحكومي في غزة وقدرتها على توفير الأمن، لكنه يشير إلى أنها كانت تواجه تحدي الضغط الدولي الذي لا يريد بقاءها.
ويعتقد أن قرار اللجنة جاء بهدف دفع عجلة الإغاثة والإعمار، متابعا: المطلوب هو حكومة تكنوقراط متوافق عليها فلسطينيا تحمي الشعب وتوفر له الطعام والشراب والإيواء، مراهنا على أن الاحتلال سيرضخ إذا ظل الشعب الفلسطيني صامدا.

وخلال المؤتمر الصحفي الذي عقده اليوم، أكد المدير العام للمكتب الإعلامي الحكومي إسماعيل الثوابتة إتمام كافة الترتيبات الإدارية والقانونية لعملية التسليم، مشيرا إلى أن هذه الخطوات عُرضت بشفافية أمام الفصائل والقوى الفلسطينية واللجنة العليا للعشائر ومؤسسات المجتمع المدني وبحضور مراقب ممثل عن الأمم المتحدة.
عادت وفاء والمسنان جحا والجعل ومعهم مئات الآلاف من النازحين إلى حياتهم اليومية المثقلة بالكفاح لتوفير مقومات العيش وسط الدمار الواسع، وبقيت التساؤلات قائمة عما إذا كان الاحتلال سيلتزم بالاتفاق، وهو الذي يخرقه كل يوم بما أسفر عن استشهاد أكثر من 1000 مواطن منذ سريانه.

