بينما تتلاشى آمال الشفاء تحت وطأة حرب الإبادة المستمرة لأكثر من 1000 يوم، يجد المسن خالد غبن (71 عاماً) نفسه في مواجهة معركة أخرى، معركة الانتظار. أصيب غبن بجلطة دماغية مفاجئة، حولت حياته وحياة أسرته إلى كابوس.
يقول نجله عامر غبن لصحيفة "فلسطين": "والدي كان رجلاً نشيطاً، يملأ البيت بهجة وحياة. فجأة، أصيب بجلطة دماغية تسببت بشلل نصفي في أطرافه، وأصبح يعاني صعوبة بالغة في النطق والبلع. كل ما نتمناه هو أن يحصل على جلسات العلاج الطبيعي التي قد تعيد إليه جزءاً من عافيته".
لكن الأمل يصطدم بواقع مرير. ففي ظل التدمير الهائل الذي لحق بالمستشفيات والمراكز الصحية في القطاع، أصبح الحصول على العلاج الطبيعي رفاهية لا يملكها الكثيرون. يضيف غبن الابن: "اضطررنا لانتظار أسبوعين كاملين للسماح لوالدي بالدخول إلى مستشفى الوفاء للتأهيل الطبي والجراحة التخصصية. أسبوعان من القلق والخوف، ونحن نرى والدي يتدهور أمام أعيننا. المستشفى يعاني نقصاً حاداً في الأسرة، ووالدي وعشرات من المرضى مثله في قوائم انتظار طويلة".
وأضاف: "كل يوم يمر هو يوم نخسره من فرصة شفائه. إنها مأساة حقيقية أن نرى أحباءنا يعانون ولا نستطيع فعل شيء لهم بسبب هذا الحصار الظالم وهذه الحرب المدمرة".
معاناة المسن غبن ليست فردية، بل هي صدى لمعاناة آلاف المرضى في غزة الذين يواجهون مصيراً مشابهاً، حيث أصبحت الرعاية الصحية الأساسية حلماً بعيد المنال.
خطر متزايد
وتعد الجلطات الدماغية هي ثالث سبب للوفاة في غزة، مع تسجيل نحو 2000 إصابة سنويا، بمعدل إصابة واحدة كل 5 ساعات، ووفاة واحدة كل 18 ساعة، فيما يتراوح عدد الوفيات السنوية بين 500 و600 حالة. ويعد من أبرز أعراضها الإصابة بالشلل النصفي الذي يتطلب تدخلا تأهيليا في مراكز العلاج الطبيعي.
وبعد مرور أكثر من 1000 يوم على حرب الإبادة الإسرائيلية، يواجه قطاع العلاج الطبيعي والتأهيل في غزة واقعاً كارثياً. فالمستشفيات والمراكز المتخصصة، التي كانت بالكاد تلبي الاحتياجات قبل الحرب، أصبحت الآن في حالة يرثى لها. مستشفى الوفاء للتأهيل الطبي والجراحة التخصصية، الذي كان يعد من أبرز الصروح الطبية في هذا المجال، تعرض لتدمير هائل واستهداف متكرر، مما أجبره على العمل من مقر مؤقت في مجمع أبو خضرة الطبي بمنطقة السرايا وسط غزة.
هذا التدمير أدى إلى نقص حاد في عدد الأسرة والأقسام المتخصصة، مما يفاقم من أزمة قوائم الانتظار الطويلة للمرضى الذين يحتاجون إلى رعاية تأهيلية عاجلة.
وتشير التقديرات إلى أن حوالي 42% فقط من المرافق الصحية في القطاع ما زالت تعمل، ومعظمها يقدم خدمات جزئية وغير كافية. ورغم وجود بعض المراكز الأخرى، مثل مركز "أطباء حول العالم" التركية في خان يونس الذي أعيد افتتاحه جزئياً، إلا أن القدرة الاستيعابية لهذه المراكز لا تتناسب إطلاقاً مع حجم الكارثة الإنسانية والاحتياجات المتزايدة للعلاج والتأهيل.
وتقدر منظمة الصحة العالمية أن نحو ثلاثة وأربعين ألفا من المصابين في غزة تعرضوا لإصابات مغيرة للحياة، منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، وأن أكثر من خمسين ألف إصابة مرتبطة بالحرب تحتاج إلى تأهيل طويل الأمد.
البحث عن بديل
في ظل هذا الواقع المتردي، تبحث العائلات عن حلول بديلة، حتى لو كانت مكلفة وشاقة. هذا ما فعلته السيدة ثناء مهنا (68 عاماً)، التي أصيبت بمشكلة في ساقيها تتطلب جلسات علاج طبيعي منتظمة.
تقول مهنا لـ"فلسطين": "بعد أن رأيت الازدحام الشديد في المستشفيات والمراكز القليلة التي ما زالت تعمل في تقديم خدمة التأهيل الطبي بعد الإصابة، والطوابير الطويلة التي يضطر المرضى للانتظار فيها لساعات، بل لأيام، قررت أن أستقدم متخصصاً في العلاج الطبيعي إلى منزلي. كان قراراً صعباً ومكلفاً، لكنني لم أجد بديلاً".
تضيف: "خشيت أن يؤدي الانتظار الطويل في المستشفيات إلى تعطل عضلات ساقي بشكل دائم. الأطباء أكدوا لي أن العلاج الطبيعي المبكر والمستمر هو مفتاح الشفاء، وأن أي تأخير قد تكون له عواقب وخيمة. فكرت في حالتي وحالة غيري من كبار السن، كيف يمكننا تحمل مشقة الذهاب والانتظار في هذه الظروف الصعبة؟ المستشفيات بالكاد تستوعب جرحى الحرب، فما بالكم بمن يحتاجون إلى علاج تأهيلي؟".
وتتابع: "هذا الوضع جعلنا نشعر بأننا متروكون لمصيرنا، وأن الحصول على أبسط حقوقنا في العلاج أصبح حلماً بعيد المنال. أدفع كل ما أملك لأحصل على جلسة علاج في منزلي، فقط لأتجنب هذا العذاب وهذا الإهمال".
تردي الوضع الصحي
وأكد مدير وحدة المعلومات الصحية بوزارة الصحة في قطاع غزة زاهر الوحيدي، أن القطاع الصحي في غزة يعاني من نقص حاد وغير مسبوق في الأدوية والمستهلكات الطبية، حيث نفد نحو 52% من مخزون الأدوية الأساسية و59% من المستلزمات الطبية بعد مرور أكثر من 1000 يوم على حرب الإبادة الإسرائيلية.
وقال الوحيدي لـ"فلسطين": "نواجه أيضاً أزمة خانقة في القدرة الاستيعابية للمستشفيات، حيث تجاوز إشغال الأسرة في المستشفيات العاملة 300% من طاقتها الأصلية، مما يجبرنا على وضع المرضى في مستشفيات ميدانية وخيام. ونتيجة لذلك، هناك أكثر من 20 ألف مريض ينتظرون دورهم للحصول على العلاج أو التحويل إلى الخارج".
ولفت النظر إلى أن البنية التحتية الصحية دمرت بشكل شبه كامل، قائلاً: "لقد دمرت قوات الاحتلال أو أخرجت عن الخدمة ما بين 94% إلى 95% من منشآتنا الصحية. المستشفيات القليلة المتبقية تعمل بأقل من طاقتها بكثير، وتواجه نقصاً حاداً في كل شيء حتى في الطواقم الطبية، وبلا دواء ومستلزمات طبية أساسية".
وحذر الوحيدي من تفاقم الأزمة الإنسانية والصحية، مشيراً إلى أن "أكثر من 19,000 جريح بحاجة ماسة إلى تأهيل طويل الأمد، لكن القدرة الاستيعابية لمراكز التأهيل شبه معدومة بعد تدميرها"

