فلسطين أون لاين

1000 يوم على الإبادة.. جبل الصبر

...
صورة أرشيفية

ألف يوم مرت على الإبادة، لكن غزة لم تعد الأيام كما يعدها الناس، تعدها بعدد البيوت المهدمة، والأمهات اللواتي ودعن أبناءهن، والأطفال الذين كبروا في الخيام، والآباء الذين حملوا أحباءهم على الأكتاف، ثم عادوا يبحثون عنهم تحت الركام.

كل يوم نروي حكاية جبلٍ جديد من جبال الصبر، وكلما ظن العالم أن الفلسطيني بلغ آخر حدود الاحتمال، صعد جبلًا آخر وحكايةً أخرى، وحمل وجعه ومضى شامخًا.

هكذا عاد ظريف الطول، عاد في صورة شعب كامل، يحمل ألف يوم من وجع الفقد، كتب خلالها فصول الصبر.

"ابعتولي إسعافات.."

صرخة خرجت من تحت الركام، لكنها بدت وكأنها تحمل صدى النكبة الفلسطينية الأولى، حين سمعته، تذكرت مشهدًا من التغريبة الفلسطينية لرجل يسير وسط القوافل المهاجرة، يتلفت خلفه فلا يرى سوى سواد الغبار والبيوت التي تُترك على عجل، فرّقه الفقد والوجع، كان يحاول أن يبدو قويًا أمام أطفاله، لكن الوداع كان أكبر من الكلمات.

اليوم، لا يسير الفلسطيني في طريق النزوح، بل يقف فوق ركام بيته، لا يودع بيته مغادرًا، بل يودع عائلة كاملة تحت ركام هذا البيت. يسأله المذيع: كم واحد كان في البيت يا حج؟ فيجيب بصوت مكبوت: "ستين واحد." ثم يعود ليصرخ: "ابعتولي إسعافات... طلعوهم من تحت الردم... ابعتولي إسعافات."

في التغريبة كان الفلسطيني يفتش عن طريق نجاة، وفي غزة يفتش عن جثامين لم تنجُ، هناك كان يحمل مفتاح البيت، وهنا يحمل أسماء من كانوا فيه، لكن الوجع هو الوجع، والإنسان الفلسطيني هو الإنسان نفسه.

حكاية الصبر في غزة تنتقل بين مشهد وآخر، معظمها مشاهد تكررت خلال الألف يوم.

خرجت الأم تبحث عن طعام لأطفالها، وتركتهم على وعد صغير: "اصبروا... راجعة." لكنها عادت بلا طعام، وعادت متأخرة، ولم تجد أبناءها. وقفت أمامهم، ثم خرجت منها صرخة اختصرت ألف يوم من الإبادة: "الولاد ماتوا من غير ما ياكلوا." هنا لا تصبح المأساة رقمًا، بل يصبح الجوع شاهدًا، والأم شاهدة، ويصبح العالم كله متهمًا بالصمت.

على أرض غزة، يترجل الناس كل يوم عن جبل جديد من جبال الصبر، ترى المكلوم يواسي المكلوم، والمفجوع يربت على كتف أخيه المفجوع، وكأنهم يكملون الطريق نفسه الذي بدأته التغريبة ولم ينتهِ بعد، أحدهم يبكي، فيقترب منه رجل أثقلته الفواجع ويقول: "ليش بتبكي؟ سبقوك للجنة... إنت مالك يا راجل؟"

ويأتي آخر يتمتم: "والله محنا منهم"، ويقصد هنا من تركوه وحيدًا ورحلوا.

ثم يأتي الجد، ينظر إلى أحفاده الذين رحلوا، ويهمس: "بلغوا الرسول سلامي، قلوله قلوله... أمتك خذلتنا يا رسول الله." وجع يختصر الحكايات ويختصر النهايات.

في مشهد آخر يأتي الجد الأيقونة، يحمل حفيدته بين ذراعيه، ويتمتم: "هاي روح الروح... هاي روح الروح." لم يكن يودع طفلة فقط، بل يودع قطعة من قلبه، وبعد أيام قليلة، لحق بها شهيدًا صابرًا.

هكذا هي غزة.. لا تصنع الصبر... بل تعيشه واقعًا. فبعد ألف يوم من الإبادة، لم يعد الصبر حكاية تُروى، بل وطنًا كاملًا يقف شامخًا كالجبل، وكلما ظن العالم أن الحكاية بلغت نهايتها... بدأ فصل جديد، أوله وآخره أهل غزة.

المصدر / فلسطين أون لاين