فلسطين أون لاين

اقتصاد تحت الاستنزاف..

كيف أعادت الحرب تشكيل المشهد الاقتصادي الإسرائيلي؟

...
صورة تعبيرية
غزة/ رامي رمانة:

أدخلت حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، وما رافقها من اتساع رقعة المواجهات الإقليمية، الاقتصاد الإسرائيلي في واحدة من أصعب مراحله منذ عقود، بعدما فرضت عليه أعباء مالية غير مسبوقة، وأحدثت اختلالات عميقة في مختلف مؤشراته الكلية. فمع تصاعد الإنفاق العسكري، وتراجع معدلات النمو، وانكماش الاستثمارات، وزيادة الضغوط الناتجة عن المقاطعة الدولية، باتت المؤشرات الاقتصادية تعكس تحولًا هيكليًا يتجاوز آثار الأزمات الدورية، ويثير تساؤلات جدية بشأن قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على استعادة مسار التعافي في المدى المنظور.

ويرى الخبيران الاقتصاديان الدكتور سمير الدقران والدكتور ثابت أبو الروس، في حديثين منفصلين لصحيفة "فلسطين"، أن الاقتصاد الإسرائيلي يواجه اليوم ثلاث صدمات متزامنة تتمثل في الاستنزاف المالي الناتج عن كلفة الحرب، والانكماش الاقتصادي الذي أصاب القطاعات الإنتاجية، وتراجع الثقة الاستثمارية بفعل استمرار الحرب واتساع المقاطعة الدولية، وهي عوامل دفعت الاقتصاد إلى مرحلة من الإجهاد البنيوي قد تمتد آثارها لسنوات.

وأكد الخبير الدقران أن الاقتصاد الإسرائيلي يمر بمرحلة إجهاد عميق نتيجة استمرار الحرب واتساع العمليات العسكرية، موضحًا أن تداخل ثلاث صدمات رئيسية، تتمثل في الكلفة الباهظة للحرب، والانكماش الاقتصادي، وتصاعد المقاطعة الدولية، يدفع الاقتصاد نحو مسار انحداري يهدد استقراره على المديين المتوسط والبعيد.

وقال الدقران لـ"فلسطين" إن كلفة الحرب المباشرة خلال الفترة الممتدة بين عامي 2023 و2025 بلغت نحو 57 مليار دولار، أي ما يعادل 8.6% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما ترفع تقديرات أخرى الكلفة إلى نحو 10% من حجم الاقتصاد.

وأضاف أن الإنفاق العسكري ارتفع بصورة غير مسبوقة من 1.8 مليار دولار شهريًا قبل الحرب إلى نحو 4.7 مليارات دولار شهريًا، بإجمالي سنوي يقترب من 27.5 مليار دولار، في مؤشر على تحول الاقتصاد الإسرائيلي إلى "اقتصاد حرب" يوجه موارده للإنفاق العسكري بدلًا من الاستثمار والتنمية.

وأشار إلى أن كلفة العمليات العسكرية الإقليمية قد تصل إلى 3 مليارات دولار أسبوعيًا، وهو ما يسرّع استنزاف المالية العامة ويضاعف الضغوط على الموازنة.

انكماش حاد وتراجع الاستثمار

وأوضح الدقران أن الاقتصاد الإسرائيلي تعرض لصدمة مزدوجة مست العرض والطلب معًا، انعكست في انكماش الناتج المحلي بنسبة 20% خلال الربع الأخير من عام 2023، ثم تراجع إضافي بنسبة 3.3% خلال عام 2026.

كما هبط معدل النمو من 6.5% قبل الحرب إلى نحو 2%، بينما يعمل الاقتصاد حاليًا دون مستواه الطبيعي بنحو 7%، في وقت تراجع فيه الاستهلاك الخاص بنسبة 27%، وانخفض الاستثمار بنسبة 67.8% نتيجة تراجع ثقة المستثمرين واستمرار حالة عدم اليقين.

ولفت إلى أن التجارة الخارجية شهدت اضطرابات واسعة، مع انخفاض الصادرات بنسبة 18%، وتراجع الواردات بنسبة 42%، بسبب تعطل سلاسل الإمداد وتأثر عمل الموانئ لفترات طويلة.

وأضاف أن قطاع السياحة تعرض لانهيار شبه كامل، فيما تمكنت قطاعات محدودة، مثل التكنولوجيا والصناعات العسكرية، من الصمود نسبيًا، لكنها لم تكن قادرة على تعويض الخسائر الكبيرة التي تكبدها الاقتصاد.

سوق العمل والمالية العامة

وأوضح الدقران أن استدعاء نحو 300 ألف من جنود الاحتياط سحب جزءًا كبيرًا من القوى العاملة من سوق العمل، بالتزامن مع فقدان عشرات آلاف العمال، خاصة الفلسطينيين، ما أدى إلى عجز يقدر بنحو 100 ألف عامل.

وأشار إلى أن تداعيات الحرب أسفرت أيضًا عن إغلاق نحو 46 ألف شركة، في مؤشر يعكس التآكل المتسارع في القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الإسرائيلي.

وعلى صعيد المالية العامة، قال إن الدين العام ارتفع ليقترب من 70% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما اتسع العجز المالي إلى نحو 8.3%، مدفوعًا بزيادة الإنفاق الحكومي بنسبة 88% لتغطية النفقات العسكرية.

وأضاف أن هذه التطورات دفعت وكالات التصنيف الائتماني إلى خفض التصنيف السيادي لإسرائيل، ما أدى إلى ارتفاع كلفة الاقتراض الخارجي وتراجع ثقة المستثمرين.

وحذر الدقران من أن الخسائر طويلة الأجل تمثل التحدي الأكبر، إذ تشير التقديرات إلى إمكانية خسارة الاقتصاد الإسرائيلي نحو 400 مليار دولار خلال العقد المقبل، نتيجة تراجع الإنتاجية واضطرابات سوق العمل، لافتًا إلى أن 90% من هذه الخسائر تحمل طابعًا هيكليًا يصعب تعويضه.

تعافٍ هش

من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي الدكتور ثابت أبو الروس أن الاقتصاد الإسرائيلي يعيش حالة من الضبابية وعدم اليقين، معتبرًا أن عودة عدد من المنشآت إلى العمل لا تعكس تعافيًا حقيقيًا، وإنما تعتمد بصورة رئيسية على الدعم الحكومي والحوافز المالية.

وأوضح لـ"فلسطين" أن الحكومة الإسرائيلية أولت قطاع التكنولوجيا اهتمامًا خاصًا، عبر إقرار تعويضات مالية كبيرة للشركات المتضررة، بعد مغادرة عدد من الشركات التكنولوجية العالمية والمحلية نتيجة تدهور البيئة الأمنية، مضيفًا أن عودة بعض جنود الاحتياط إلى أعمالهم ساهمت جزئيًا في تنشيط بعض الأنشطة الاقتصادية.

وأشار إلى أن التحديات الاقتصادية لم تعد تقتصر على تداعيات الحرب في غزة، بل تفاقمت مع المواجهات العسكرية مع إيران، التي زادت من الضغوط على الاقتصاد، وأدت إلى اتساع العجز في موازنة عام 2026.

وأضاف أن الحكومة لجأت إلى سياسات تقشفية شملت رفع الضرائب، بما فيها ضريبة الأملاك (الأرنونا)، في محاولة لاحتواء اتساع الفجوة التمويلية.

تحول بنيوي

ويرى أبو الروس أن الاقتصاد الإسرائيلي دخل مرحلة مختلفة لن يعود بعدها إلى ما كان عليه قبل السابع من أكتوبر، مشيرًا إلى أن نظرة المستثمرين والأسواق الدولية تجاه إسرائيل تغيرت بصورة جوهرية.

ورجح أن تشهد السياسات الاقتصادية تحولًا في حال حدوث تغيير سياسي داخل إسرائيل، خاصة مع تنامي المخاوف من الكلفة الباهظة لأي مواجهة عسكرية جديدة في المنطقة.

وفيما يتعلق بالمقاطعة الاقتصادية، أكد أنها تحولت إلى عامل ضغط متزايد، بعد أن بدأت آثارها تظهر في انخفاض الصادرات، وتراجع الاستثمارات الأجنبية، وارتفاع القيود التجارية، فضلًا عن تأثيرها المباشر على ثقة الأسواق وسلاسل التوريد.

وأشار إلى أن التجارب الدولية تظهر أن حملات المقاطعة قادرة على خفض الصادرات والاستثمارات بنحو 10%، وهو ما قد يفاقم الضغوط التي يواجهها الاقتصاد الإسرائيلي في المرحلة المقبلة.

المصدر / فلسطين أون لاين