فلسطين أون لاين

غزة.. جرس إنذار للأمة

ليس في هذا العصر مشهدٌ أشد إيلامًا من أن يرى الإنسان شعبًا يُذبح على مرأى العالم، في حين تقف أمةٌ يزيد تعدادها على مليارَي مسلم عاجزة عن توظيف ما تملكه من إمكانات سياسية واقتصادية وعسكرية وإعلامية لإيقاف هذا النزيف. إن ما يجري في غزة ليس مجرد مأساة إنسانية، بل هو أيضًا مرآة تعكس حجم الخلل الذي أصاب بنية الأمة، وتكشف الفجوة الهائلة بين ما تملكه من مقدرات وما تستطيع أن تفعله بها.

هذه الحقيقة مؤلمة، لكنها قد تحمل في طياتها بذرة نهضة إذا أحسن الجيل الجديد قراءتها. فالأمم التي تتعلم من هزائمها تستطيع أن تحولها إلى بدايات جديدة، أما الأمم التي تكتفي بالبكاء على أطلالها فإنها تعيد إنتاج المأساة مرة بعد أخرى.

لقد اعتاد كثيرون تفسير ما يحدث بالمؤامرات الخارجية وحدها، ولا شك أن القوى الكبرى تتحمل مسؤوليات كبيرة في دعم الاحتلال وتوفير الغطاء له. لكن الاقتصار على هذا التفسير يريح الضمير ولا يصلح الواقع. فالسؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل شاب على نفسه هو: لماذا استطاعت هذه القوى أن تمارس كل هذا النفوذ؟ ولماذا لم تتمكن الأمة من موازنة هذا النفوذ بما لديها من إمكانات هائلة؟

إن امتلاك الثروات وحده لا يصنع القوة، كما أن كثرة السكان لا تعني القدرة على التأثير. فالقوة الحقيقية تبدأ ببناء الإنسان، ثم بناء المؤسسات، ثم ترسيخ العلم، وإقامة العدل، وتحقيق الوحدة في القضايا الكبرى، وتحويل الإمكانات المتفرقة إلى مشروع حضاري متكامل. وما لم يتحقق ذلك، ستظل الموارد الضخمة أرقامًا في الإحصاءات أكثر منها أدوات لصناعة القرار.

ولعل أخطر ما تكشفه غزة هو أن الأمة تحتاج إلى مراجعة طويلة المدى، لا إلى ردود أفعال مؤقتة. فالمشكلة ليست في لحظة الأزمة فقط، وإنما في عقود من التراجع العلمي، والتشرذم السياسي، والاعتماد على الآخرين، وضعف التخطيط الاستراتيجي. وهذه القضايا لا تعالج بالشعارات، وإنما بالمشروعات التي تمتد سنوات طويلة وتصنع أجيالًا قادرة على حمل المسؤولية.

إن الجيل الجديد أمام فرصة تاريخية. فبدل أن يتحول الغضب إلى يأس، يمكن أن يتحول إلى دافع للتعلم والعمل والإعداد. فكل مهندس متقن، وكل باحث متميز، وكل اقتصادي ناجح، وكل إعلامي صادق، وكل معلم مخلص، يساهم بطريقته في بناء عناصر القوة التي تحتاج إليها الأمة. فالنهضة لا يصنعها فرد واحد، وإنما تصنعها أجيال تؤمن بأن الإصلاح يبدأ من موقعها مهما بدا صغيرًا.

كما أن هذه المرحلة تعلمنا أن الاستعداد لا يبدأ عند وقوع الأزمات، بل قبلها بسنوات. فالدول التي تؤثر في مجرى التاريخ لم تبن قدراتها في أيام الحرب، وإنما بنتها في سنوات السلم، حين استثمرت في الإنسان والعلم والصناعة والمؤسسات. ولهذا فإن من أعظم الدروس التي ينبغي أن تخرج بها الأمة من هذه المحنة هو أن الإعداد ليس ترفًا، بل ضرورة وجودية.

ورغم كل هذا الألم، فإن التاريخ يعلمنا أن المحن كثيرًا ما كانت نقطة انطلاق لتحولات كبرى. فقد دفعت الهزائم أممًا كثيرة إلى مراجعة نفسها، وإعادة ترتيب أولوياتها، حتى استعادت مكانتها بعد سنوات من العمل المتواصل. وليس هناك ما يمنع أمة الإسلام من أن تسلك الطريق نفسه، إذا امتلكت الشجاعة للاعتراف بأسباب الضعف، والإرادة لمعالجتها.

إن غزة اليوم لا تنادي العالم فحسب، بل تنادي ضمير كل مسلم، وتوجه رسالة خاصة إلى الشباب: لا تجعلوا المأساة خبرًا عابرًا، ولا تسمحوا لها أن تتحول إلى مجرد ذكرى مؤلمة. اجعلوها بداية سؤال كبير: أين يكمن الخلل؟ وكيف نبني مستقبلًا لا يتكرر فيه هذا العجز؟ فربما يكون أعظم وفاء للمظلومين ألا نكتفي بالحزن عليهم، بل أن نعمل بجد حتى لا يعيش الأبناء والأحفاد المأساة نفسها مرة أخرى.

المصدر / فلسطين أون لاين