في خيمة نزوح متواضعة غربي خان يونس، تكبر الطفلة آيات الأخرس على وقع الألم والمواعيد الطبية المؤجلة، في حين ينهش المرض جسدها الصغير ويثقل العجز كاهل أسرتها. فمنذ ولادتها، لم تعرف آيات طفولةً طبيعية، إذ تنقلت بين غرف العمليات وأقسام المستشفيات، قبل أن تجد نفسها اليوم رهينة منظومة صحية منهكة وعلاج مؤجل في الخارج، في حين تتفاقم حالتها الصحية والنفسية يومًا بعد يوم.
وتروي والدتها، مايسة الأخرس، لصحيفة "فلسطين"، أن معاناة ابنتها بدأت منذ الأسبوع الأول بعد الولادة، حين اكتشف الأطباء إصابتها بثلاثة ثقوب في القلب، ما استدعى تحويلها لإجراء عملية قلب مفتوح في الداخل المحتل وهي لم تتجاوز ثمانية أشهر من عمرها.
وتقول الأم إن الأسرة اعتقدت آنذاك أن ابنتها تجاوزت أخطر مراحل المرض، إلا أن الالتهابات المتكررة في المسالك البولية، التي بدأت قبل عامين من اندلاع الحرب، كانت تخفي مشكلة صحية أكثر تعقيدًا، لم تُكتشف إلا بعد تدهور حالتها بشكل كبير.
وتضيف: "خلال الحرب أُصيب ابني سعيد بالتهاب الكبد الوبائي، وبقيت إلى جانبه شهرًا كاملًا في المستشفى حتى توفي. وعندما عدت إلى خيمتنا، وجدت أن حالة آيات الصحية تدهورت كثيرًا. وبعد إجراء الفحوصات، أخبرني الأطباء أنها تعاني من ارتجاع شديد في البول، وتحتاج إلى السفر لإجراء عملية جراحية لاستئصال أحد الحالبين."
وتوضح أن الالتهابات المتكررة والتبول اللاإرادي، اللذين كانت تعاني منهما ابنتها، لم يكونا سوى أعراض لمشكلة أكثر خطورة. وتقول: "قام الأطباء بتركيب قسطرة بولية لها، لكنهم اضطروا إلى إزالتها بعدما أصبحت تمتلئ بالدم، وليس بالبول فقط."

وتعاني آيات من تضخم في الكلية اليسرى نتيجة ارتجاع البول، الأمر الذي تسبب أيضًا بإصابتها ببكتيريا شديدة الخطورة، وأصبح يجبرها على دخول الحمام بصورة متكررة، حتى إنها لا تنام ليلًا بشكل طبيعي.
وتقول والدتها: "لم تعد آيات قادرة على ممارسة حياتها كأي طفلة. أصبحت تخرج من الخيمة نادرًا، وانعزلت عن الأطفال، كما تدهورت حالتها النفسية بصورة ملحوظة بعد وفاة شقيقها سعيد."
ورغم حصولها على تحويلة طبية للعلاج في الخارج منذ نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي، فإنها لا تزال تنتظر دورها في الإجلاء، فيما يواصل المرض التهام صحتها.
وتصف والدتها رحلة العلاج داخل قطاع غزة بأنها معاناة يومية، قائلة: "الوصول من مواصي خان يونس إلى مستشفى ناصر يستغرق نحو ثلاث ساعات، بسبب طول الطريق وصعوبة المواصلات. وآيات لا تستطيع حبس البول لهذه المدة، لذلك نضطر في كثير من الأحيان إلى طلب استخدام دورات المياه في بيوت أو خيام المواطنين أثناء الطريق."
وتتابع: "أصبحت تكره الذهاب إلى المستشفى، وتبكي بحرقة كلما أخبرتها أننا سنذهب لإجراء الفحوصات. نزور المستشفى ثلاث مرات أسبوعيًا على الأقل، ونقضي ساعات طويلة بين المختبر والأطباء والتصوير، وفي كل مرة يخبروننا أن حالتها تتراجع، وأن جسمها لم يعد يستجيب للمضادات الحيوية."
ولم تقتصر معاناة الطفلة على المرض، بل امتدت إلى حياتها الاجتماعية والتعليمية.
وتقول والدتها: "حتى الأطفال في المخيم باتوا ينادونها بـ(المريضة)، لأنهم لا يرونها إلا وهي في طريقها إلى المستشفى أو عائدة منه. لم تعد تذهب إلى الخيمة التعليمية إلا نادرًا، وأصبحت منطوية، قليلة الكلام، ولا تتفاعل حتى مع أشقائها داخل الخيمة."
وتفاقم الظروف الاقتصادية الصعبة من معاناة الأسرة، التي تضم تسعة أفراد، في ظل غياب أي مصدر دخل بعد توقف والدها عن العمل.
وتوضح الأم: "معظم الأدوية غير متوفرة في المستشفى، ونضطر إلى شرائها على نفقتنا. وفي أحيان كثيرة لا أستطيع اصطحابها إلى المستشفى بسبب عدم توفر أجرة المواصلات، أو أعجز عن شراء العلاج المطلوب، ما يؤدي إلى تدهور حالتها أكثر."
أما الغذاء الذي تحتاج إليه الطفلة، فتصفه والدتها بأنه "حلم بعيد المنال"، مضيفة: "نعتمد في طعامنا على ما تقدمه التكية. وإذا كنت لا أستطيع شراء مياه شرب صحية لابنتي، فكيف يمكنني توفير الفواكه أو الخضروات أو الأغذية التي أوصى بها الأطباء؟"
وبين رحلة علاج لا تنتهي، وانتظار طويل للإجلاء الطبي، تواصل آيات الأخرس مواجهة المرض بألم يفوق عمرها، فيما تترقب أسرتها بارقة أمل تنقذ طفولتها قبل أن تتدهور حالتها الصحية بصورة لا يمكن تداركها.

