يرى مختصون في الشأن الاقتصادي أن الاقتصاد الإسرائيلي دخل مرحلة إنهاك حقيقية، إذ لم يعد يحقق النمو إلا بوتيرة متباطئة وتحت سقف مرتفع من المخاطر، مع تحمّله كلفة أمنية متصاعدة تستنزف موارده على حساب أولويات التنمية، وتفاقم في الوقت ذاته تآكل الثقة، وتراجع الاستثمارات، وتذبذب مؤشرات الاستقرار المالي.
ومع مرور نحو ألف يوم على الحرب على قطاع غزة واتساع تداعياتها إقليميًا، يؤكد هؤلاء أن الاقتصاد الإسرائيلي لم يعد يمر بمرحلة تأثر مؤقت، بل انتقل إلى حالة استنزاف هيكلي طويل الأمد، تصبح فيها كل جولة تصعيد جديدة عبئًا إضافيًا يضغط على النمو، ويقوض الاستقرارين المالي والنقدي، ويزيد من هشاشة التوقعات المستقبلية.
وتعكس أحدث مؤشرات صندوق النقد الدولي هذا التحول بوضوح، بعدما خفّض الصندوق توقعاته لنمو الاقتصاد الإسرائيلي خلال عام 2026 إلى 3.5%، مقارنة بـ4.8% في تقديراته السابقة، في إشارة مباشرة إلى تأثير التوترات الإقليمية واستمرار الحرب على الأداء الاقتصادي. كما أشار إلى أن استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي يمثل أحد أبرز العوامل المثبطة للاستثمار والاستهلاك على المدى المتوسط.
وقال المختص الاقتصادي الدكتور نائل موسى إن هذا التراجع "ليس رقمًا عابرًا، بل يعكس انتقال الاقتصاد الإسرائيلي من مرحلة التعافي إلى مرحلة النمو الحذر تحت الضغط"، موضحًا أن الاقتصاد بات يتحرك ضمن هامش محدود من النمو، تحكمه المخاطر الأمنية والسياسية أكثر من العوامل الإنتاجية التقليدية.
وأوضح موسى، لصحيفة "فلسطين"، أن استمرار العمليات العسكرية رفع الإنفاق الدفاعي إلى مستويات غير مسبوقة، إذ تشير التقديرات إلى أن الإنفاق العسكري الإسرائيلي تجاوز 8% من الناتج المحلي الإجمالي في بعض الفترات، وهو من أعلى المعدلات عالميًا بين الاقتصادات المتقدمة، ما أدى إلى إعادة توجيه الموارد العامة بعيدًا عن القطاعات الإنتاجية والتنموية.
وأضاف أن الكلفة المباشرة وغير المباشرة للحرب تُقدّر بنحو 55 مليار دولار حتى عام 2025، أي ما يقارب 10% من الناتج المحلي الإجمالي، مع توقعات بارتفاع الكلفة التراكمية على المدى الطويل نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية الاقتصادية، وتراجع الاستثمار، وتباطؤ الإنتاجية.
وأشار إلى أن الواقع يفرض معادلة اقتصادية صعبة تتمثل في زيادة الإنفاق العسكري مقابل تراجع الإنفاق التنموي، وهو ما يحد من قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو مستدام، لا سيما في ظل توصيات صندوق النقد الدولي بإعادة بناء الاحتياطيات المالية وتعزيز الإيرادات العامة للحد من اتساع العجز.
وفي السياق ذاته، أوضح الخبير الاقتصادي د.هيثم دراغمة أن الاقتصاد الإسرائيلي تعرض لما يُعرف بـ"صدمة سوق العمل والإنتاج"، بعد سحب ما يقارب 300 ألف من جنود الاحتياط من سوق العمل، إلى جانب وقف العمالة الفلسطينية التي كانت تشكل ركيزة أساسية في قطاعات البناء والزراعة والخدمات، ما أدى إلى نقص حاد في الأيدي العاملة وتراجع الإنتاجية بصورة ملحوظة.
وبيّن دراغمة، لـ"فلسطين"، أن هذا النقص انعكس مباشرة على الأداء الاقتصادي، حيث شهدت قطاعات حيوية انكماشًا ملحوظًا، وتراجعت القدرة التشغيلية في قطاع البناء على وجه الخصوص، باعتباره من أكثر القطاعات تضررًا من الحرب، فضلًا عن تباطؤ مشاريع البنية التحتية والاستثمار العقاري.
وأضاف أن الناتج المحلي الإجمالي سجل انكماشًا خلال فترات من الحرب، فيما تراجعت الاستثمارات الأجنبية والمحلية بنسب كبيرة وصلت إلى نحو 67% في بعض المراحل، وهو ما يعكس حجم القلق في بيئة الأعمال وتراجع شهية المستثمرين للمخاطرة.
وأشار إلى أن تداعيات الحرب لم تقتصر على الإنتاج، بل امتدت إلى الثقة الاقتصادية، حيث خرجت استثمارات بمليارات الدولارات إلى الخارج، وأغلقت آلاف الشركات الصغيرة والمتوسطة أبوابها، بالتزامن مع تراجع مؤشرات الثقة في الأسواق، وتوالي خفض التصنيف الائتماني السيادي لإسرائيل.
وبيّن أن التوترات الإقليمية، ولا سيما مع إيران، أسهمت في ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، وهو ما انعكس على الاقتصاد الإسرائيلي من خلال زيادة معدلات التضخم، رغم قوة الشيقل في بعض الفترات، الأمر الذي خلق حالة من التباين بين استقرار العملة واستمرار الضغوط السعرية الداخلية.
ولفت إلى أن الاقتصاد الإسرائيلي كان يسجل قبل الحرب معدلات نمو مرتفعة بلغت نحو 6.5% في بعض السنوات، إلا أنه تراجع لاحقًا إلى نحو 2% ثم 2.9%، مع توقعات أقل تفاؤلًا خلال السنوات المقبلة في ظل استمرار المخاطر الجيوسياسية وحالة عدم الاستقرار الإقليمي.
وأكد دراغمة أن هذا التحول يعكس انتقال الاقتصاد الإسرائيلي من نموذج قائم على الاستثمار والتكنولوجيا والانفتاح على الأسواق العالمية، إلى نموذج يعتمد بدرجة أكبر على الأمن والإنفاق العسكري وإدارة الأزمات، وهو تحول هيكلي يحمل تداعيات طويلة الأمد على القدرة التنافسية للاقتصاد.
ونوه إلى أن أبرز ما يميز المرحلة الراهنة هو اتساع حالة "عدم اليقين"، إذ أصبحت التوقعات الاقتصادية مرهونة بالتطورات السياسية والأمنية، محذرًا من أن أي تصعيد جديد في المنطقة قد يؤدي إلى مزيد من التراجع في النمو، وربما يدفع الاقتصاد إلى موجات جديدة من التباطؤ أو الانكماش.
وختم بالإشارة إلى أن صندوق النقد الدولي حذر بدوره من أن أي تصعيد إضافي قد ينسف التوقعات الاقتصادية الحالية بالكامل، وهو ما يعكس هشاشة البيئة الاقتصادية الإسرائيلية وتزايد ارتباطها بعوامل الاستقرار السياسي والأمني.

