فلسطين أون لاين

بين العدسة والترند.. من بقي يحمل رسالة الصورة؟

في السنوات الأخيرة تغيّر مشهد التصوير الصحفي تغيرا كبيرا، ولا سيما مع صعود السوشال ميديا، التي فتحت الباب أمام آلاف الشباب ليحملوا الكاميرا ويوثقوا الحدث. وهذا بحد ذاته شيء إيجابي، لأنه وسّع دائرة التوثيق وكسر احتكار الصورة، لكن في الوقت نفسه أوجد حالة من الفوضى، وصار من الصعب تمييز الصحفي المهني من صانع المحتوى، والمصور الذي يحمل هم توثيق الحقيقة ممن يريد أن يحصد مشاهدات.

اليوم، صار واضحًا أن الساحة فيها أكثر من تيار: "مصورون صحفيون مؤمنون بأن الصورة مسؤولية قبل أن تكون لقطة، وأن المهنة لها أخلاقيات ومعايير، حتى لو لم تأخذ حقها من الانتشار". وفي المقابل، هناك فئة تعمل بمنطق (الترند)، تركض وراء أي مشهد صادم أو مؤثر لأنه يجلب التفاعل، بغض النظر عن خصوصية الضحية أو كرامة الناس.

وفي فئة ثالثة، من الممكن أن تكون الأخطر، صارت تتعامل مع الميدان بصفته مصدر دخل فقط. ما يهمها المؤسسة لا الرسالة ولا حتى قيمة الصورة، المهم من يدفع أكثر، ومن يعرض سعرًا أعلى. وهذا حق أي شخص يفتش عن رزقه، لكن المشكلة عندما تتحول المهنة كلها إلى سوق مزايدات، وتضيع الحدود بين العمل المهني والعمل التجاري.

ومن جهة ثانية، ظهرت تحالفات وجروبات معلنة غير معلنة بين بعض المصورين، تدعم أسماء معينة، وتقصي أسماء ثانية، وتسوّق لإنجازات أشخاص وتتجاهل جهود آخرين. أحيانًا تصبح الفرصة مرتبطة بالعلاقات أكثر من الكفاءة، وبالمعرفة أكثر من الموهبة، وهذا خلق إحباطًا عند كثير من المصورين الشباب الذين يعملون بصمت، لكن ليس لديهم من يسندهم.

والأغرب، أن كل طرف صار ينصّب حاله ممثلًا للمهنية. فئة تعتبر نفسها وحدها الصحافة الحقيقية، وفئة ثانية تسخر من الإعلام التقليدي، وتقول إن المستقبل للسوشال ميديا، وفي الحقيقة إن الصورة الجيدة هي ما لها هوية مسبقة؛ قيمتها تنبع من صدقها، وسياقها، واحترامها للإنسان.

المفارقة الأكبر، أن المهنية نفسها كثيرًا ما تظل رهينة السياسات التحريرية للمؤسسات. فمن الممكن أن يكون المصور يملك عينًا استثنائية، لكن صوره لا ترى النور لأنها لا تنسجم مع سياسة المؤسسة، أو لأنها لا تحقق أهدافها. ومن الممكن لصورة أقل قيمة أن تنتشر فقط لأنها مناسبة للنشر أو للتسويق.

وختاما، لا السوشال ميديا عدو، ولا المؤسسات هي المشكلة وحدها، ولا العائد المادي عيب إذا كان يأتي من تعب شريف. المشكلة الحقيقية عندما تضيع البوصلة، ويصبح الهدف الشهرة بدل الحقيقة، والسبق بدل الدقة، والعلاقات بدل الكفاءة. وقتها، تخسر الصورة رسالتها، وتتحول العدسة من شاهد على الحقيقة إلى أداة للمنافسة والاستعراض. وفي مهنة وُلدت لتوثيق الحقيقة، هذه خسارة لا يجب أن نتعامل معها كأمر طبيعي.

المصدر / فلسطين أون لاين