مع دخول حرب الإبادة يومها الألف في قطاع غزة، يواجه المواطنون واقعاً إنسانياً بالغ القسوة نتيجة استمرار العمليات العسكرية وتدمير البنية التحتية بشكل واسع، ما جعل الحياة اليومية شبه مستحيلة.
فمع منع إدخال مواد البناء والمستلزمات الأساسية، وتوقف معظم الأنشطة الاقتصادية، اضطر الأهالي إلى البحث عن بدائل غير تقليدية لتأمين احتياجاتهم اليومية، إذ أصبحت مخلفات المباني المدمرة مصدراً رئيساً للمواد القابلة لإعادة الاستخدام.
وتشير مشاهد ميدانية إلى أن كثيراً من العائلات لجأت إلى ركام المنازل والمباني لتأمين أساسيات السكن، مثل البلاط والأخشاب والصفيح، حيث يتم تنظيف هذه المواد وإعادة تركيبها بطرق بدائية داخل الخيام ومراكز الإيواء.
يروي الشاب محمد أموم تجربته مع إعادة استخدام البلاط المستخرج من منزل مدمّر، إذ قام بشرائه من أحد المواطنين، ثم تنظيفه من بقايا الإسمنت العالق، وإعادة رصّه داخل خيمته بطريقة هندسية بسيطة دون مواد تثبيت، مكتفياً بغرسه في الرمال.
ويقول لـ"فلسطين"، إنه اضطر إلى هذه الخطوة رغم بساطة الإمكانات، بهدف توفير بيئة أكثر أماناً لأطفاله داخل مأوى مؤقت، خصوصاً في ظل انتشار الحشرات والقوارض التي قد تخرج من الأرض وتسبب مخاطر صحية.
وفي رواية أخرى، يصف أبو غسان النزلي كيف لجأ إلى شراء حجارة من مبانٍ مهدمة لاستكمال بناء غرفة صغيرة وصالة تُؤويه مع أسرته، بعد أن فقد منزله في حي الزيتون خلال الحرب.
ويضيف لفلسطين أنه استخدم حجارة غير متجانسة ومكسورة بسبب غياب البدائل، مستعيناً بصديق يعمل في مجال البناء لمساعدته في ترتيبها وتثبيتها باستخدام الطين بدلاً من الإسمنت غير المتوفر.
كما قام باستخدام ألواح الصفيح المستخرجة من منازل مدمرة لتغطية أجزاء من المأوى، في محاولة لتأمين الحماية من العوامل الجوية القاسية.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، إذ يلجأ بعض السكان إلى تكسير الأعمدة والأسقف الخرسانية لاستخراج الحديد الصلب المستخدم في تصنيع نوافذ أو وسائل حماية بدائية.
60 مليون طن من الركام
بدوره أكد م. محمد العسكري، خبير الإسكان والبنية التحتية، أن ملف إعادة إعمار قطاع غزة يُعدّ من أكثر الملفات إلحاحاً في المرحلة الراهنة، في ظل الأوضاع الإنسانية المعقدة التي يعيشها السكان، إذ يواجه آلاف المواطنين ظروف نزوح قاسية بين الخيام والطرقات وعلى امتداد الشواطئ، مع غياب مقومات الحياة الأساسية.
وأوضح العسكري لـ"فلسطين"، أن القطاع يعاني أزمة حادة بالتزامن مع تراكم نحو 60 مليون طن من الركام نتيجة الدمار الواسع.
وأضاف أن مرور أكثر من ستة أشهر على وقف إطلاق النار دون السماح بإدخال الكرفانات السكنية المؤقتة فاقم من معاناة السكان الذين ما زالوا بلا مأوى ملائم.
وأشار إلى تقديرات تفيد بوجود قرابة 300 ألف وحدة سكنية مدمرة بشكل كلي، إضافة إلى أضرار كبيرة طالت المنشآت الصناعية التي تحتاج إلى إعادة تأهيل شامل.
ولفت إلى أن 24 خطة لإعادة إعمار القطاع لا تزال غير مفعّلة رغم رصد أكثر من 5 مليارات دولار في مؤتمرات دولية، دون أن ينعكس ذلك على أرض الواقع حتى الآن.
ودعا العسكري إلى ضرورة العمل بشكل متوازٍ على إزالة الركام وإطلاق برامج إعادة الإعمار المبكر، مع الشروع في إصلاح البنية التحتية وشبكات الصرف الصحي والسماح بإدخال المواد الأساسية.
كما أشار إلى أن عدداً من المنازل المتبقية في القطاع تحتاج أيضاً إلى أعمال ترميم نتيجة الأضرار غير المباشرة الناجمة عن الاهتزازات والاكتظاظ السكاني وقدم الأبنية.

