لم تعد أمون عليوة، أم لثمانية أطفال، تتذكر شكل الحياة الطبيعية منذ أن فقدت منزلها في حي الشجاعية شرق مدينة غزة مع بداية حرب الإبادة. فمنذ ذلك اليوم، تحولت حياتها إلى رحلة نزوح قاسية لم تتوقف، تنقلت خلالها أكثر من عشرين مرة داخل المدينة، حاملةً أطفالها وما تيسر من أغطية وأوانٍ، تبحث عن مأوى يقيهم القصف والجوع، لكنها لم تجد سوى خيمة مهترئة أصبحت عنوانًا لمعاناة يومية لا تنتهي.
داخل خيمة لا تتجاوز بضعة أمتار، تعيش أمون مع زوجها وأطفالها الثمانية؛ أكبرهم في الخامسة عشرة من عمره، وأصغرهم رضيع لم يتجاوز عامًا وشهرين. وبين الجوع والمرض والخوف، تحاول الأم أن تماسك نفسها كي لا تنهار أمام أطفالها.
لكن أكثر ما يثقل قلبها ليس ضيق المكان ولا فقدان المنزل، بل عجزها عن إنقاذ رضيعها، الذي شُخّصت حالته بسوء تغذية حاد نتيجة نقص الغذاء في مرحلة عمرية حساسة.
تجلس أمون قرب طفلها، تحتضن جسده الهزيل، وتراقب ملامحه التي تغيّرت خلال الأشهر الماضية؛ ضعف شديد جعله غير قادر على الحركة كبقية الأطفال، وتراجع مقلق في وزنه، فيما تؤكد التقارير الطبية حاجته إلى تدخل عاجل وغذاء علاجي ورعاية مستمرة، وهي أمور شبه غائبة في قطاع غزة.
تقول بصوت يختلط فيه العجز بالحسرة لصحيفة "فلسطين": "الأطباء أخبروني أن ابني يعاني من سوء تغذية حاد، ويحتاج إلى حليب خاص وغذاء مناسب حتى لا تتدهور حالته، لكن أين أجد ذلك؟ لا مال لدينا، وإن توفر الحليب فأسعاره لا تُحتمل."
ولا يقتصر ألم الرضيع على غياب الغذاء فقط، بل يمتد إلى بيئة غير صالحة للحياة أصلًا. تضيف أمون:
"الخيمة لا تصلح لطفل رضيع يحتاج نظافة وهدوءًا وتهوية. يعيش وسط الغبار والحر والذباب، ولا مياه نظيفة ولا كهرباء، ولا حتى مكان أحفظ فيه طعامه إن توفر."
ومع قسوة الظروف، لم تكن الأم أفضل حالًا؛ فالحرب حرمتها من الغذاء الكافي، ما انعكس على قدرتها على إرضاع طفلها. تقول: "أنا نفسي لا أجد ما يكفيني، فكيف سأطعم طفلي؟ جسمي أصبح ضعيفًا، ولم أعد قادرة على إرضاعه كما يجب."
وتشير إلى أن العائلة تعيش على وجبات شحيحة جدًا، وأحيانًا يمر يوم كامل دون أن يحصل الأطفال إلا على وجبة واحدة يتقاسمونها جميعًا، بينما يقضون معظم وقتهم في انتظار الطعام من التكايا.
ولا تتوقف المعاناة عند الغذاء، إذ تفتقر العائلة إلى الملابس أيضًا. تؤكد أمون أن أطفالها يرتدون الملابس ذاتها منذ أشهر، بعضها تمزق ولم يعد يناسب أحجامهم مع نموهم المتسارع.
ومع اشتداد حرارة الصيف، تتحول الخيمة إلى مساحة خانقة. تقول: "في منتصف النهار لا نستطيع البقاء داخلها من شدة الحر، الأطفال يتصببون عرقًا، والرضيع يختنق من الحرارة، ولا كهرباء ولا مروحة."
أما الليل، فلا يحمل راحة أكبر، إذ تغرق الخيمة في ظلام دامس. وتروي أمون حادثة مؤلمة:
"كنت نائمة، فاستيقظت على ألم في إصبعي بعدما قرضتني الفئران بسبب الظلام، لم أصدق ما حدث."
وتضيف أن الفئران والحشرات أصبحت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية داخل المخيم، في ظل انعدام النظافة والصرف الصحي.
كما تواجه العائلة أزمة في غاز الطهي، الذي بات نادرًا، ما يدفعها أحيانًا لبيعه مقابل الطعام أو الدواء. تقول:
"أبيع الغاز لأشتري لأطفالي ما يسد جوعهم، ثم أعود للطهي على الحطب أو أنتظر التكية."
ورغم أن رحلة النزوح بدأت منذ الأيام الأولى للحرب، فإن أمون لم تغادر مدينة غزة، بل تنقلت داخلها أكثر من عشرين مرة هربًا من القصف.
اليوم، لا تطلب أمون سوى الحد الأدنى من مقومات الحياة: حليبًا علاجيًا لطفلها، طعامًا كافيًا، ملابس، مياه نظيفة، غازًا للطهي، وإضاءة تخرجهم من ظلام الخيمة، وسقفًا يحمي أطفالها من التشرد.
وتختم حديثها وهي تحتضن رضيعها الهزيل: "لا أريد شيئًا لنفسي… كل ما أتمناه أن يعيش أطفالي مثل بقية الأطفال، وأن ينجو رضيعي قبل أن أفقده أمام عيني لأنني لا أستطيع توفير كوب حليب له."
في غزة، لا تُقاس الحرب بعدد الدمار فقط، بل بعدد الأمهات اللواتي يواجهن الجوع داخل الخيام، في معركة يومية من أجل البقاء. وقصة أمون عليوة ليست استثناءً، بل واحدة من آلاف الحكايات التي تختصر ثقل الحياة تحت الحصار والنزوح.

