مع دخول الحرب على قطاع غزة يومها الألف، لم يعد هذا الرقم مجرد محطة زمنية تُضاف إلى سجل الحرب، بل أصبح شاهدًا على واحدة من أطول وأقسى المآسي الإنسانية في العصر الحديث. ألف يوم عاشها أهل غزة بين القصف والنزوح والجوع، وبين فقد الأحبة وانهيار مقومات الحياة، حتى أصبحت تفاصيل الحياة التي كانت يومًا عادية أمنيات بعيدة المنال.
ألف يوم كان الإنسان فيها هو الحلقة الأضعف، لكنه، في الوقت نفسه، كان عنوان الصمود الأكبر. فمنذ السابع من أكتوبر، لم يعد الناس يفكرون في تحسين مستوى حياتهم أو التخطيط لمستقبل أبنائهم، بل أصبح همهم الأول أن يجدوا ماءً صالحًا للشرب، أو رغيف خبز، أو وجبة طعام، أو دواءً لمريض، أو خيمة تقيهم حر الصيف وبرد الشتاء.
ولا يختلف اثنان على أن تحرير الأوطان له ثمن، وأن الشعوب التي تناضل من أجل حريتها تدفع أثمانًا باهظة من دمائها، وأموالها، واستقرارها. هذه سنة عرفها التاريخ في كل تجارب التحرر. لكن الحفاظ على الإنسان الذي يدفع هذا الثمن لا يقل أهمية عن أي هدف آخر، لأن الإنسان هو أساس الصمود، وهو الذي يحمل القضية ويحفظها عبر الزمن.
لقد أثبت أهل غزة خلال هذه الحرب الطويلة أنهم يملكون من الصبر والإيمان والثبات ما أبهر العالم. ومع ذلك، فإن الإنسان ليس آلة لا تتعب، ولا يستطيع أن يعيش إلى ما لا نهاية تحت ضغط الجوع، والخوف، والنزوح، وفقدان الأمن والاستقرار. فكلما امتدت الحرب، ازدادت الأعباء النفسية، والاجتماعية، والاقتصادية، وأصبح الحفاظ على المجتمع مسؤولية تتطلب رؤية متجددة، لا مجرد استجابة للحاجة الآنية.
لقد أصبحت طوابير الخبز، والمياه، والطعام، والغاز جزءًا من الحياة اليومية. وأصبح كثير من الناس يقيسون يومهم بما حصلوا عليه من مساعدات، لا بما أنجزوه من أعمال. وهذا الواقع، مهما فرضته ظروف الحرب، لا ينبغي أن يتحول إلى حالة دائمة، لأن المجتمع يحتاج إلى ما يحفظ كرامته، ويمنحه الشعور بالاستقرار، ويعزز ثقته بالمستقبل.
ولا يمكن الحديث عن هذه المرحلة دون توجيه التقدير لكل المؤسسات الإنسانية، والجمعيات الخيرية، والمبادرات المجتمعية، والفرق التطوعية، والعاملين في المجال الإغاثي، الذين تحملوا مسؤوليات هائلة في ظروف بالغة الصعوبة. فقد كانوا، وما زالوا، خط الدفاع الأول عن حياة مئات الآلاف من الأسر، وساهموا في توفير الغذاء، والمياه، والدواء، والإيواء، والتعليم، والإغاثة العاجلة. وهذه الجهود تستحق كل الاحترام والدعم، لأنها كانت، وما تزال، أحد أهم أسباب صمود المجتمع.
لكن مرور ألف يوم يفرض علينا جميعًا أن نسأل: هل يكفي أن يبقى الإنسان ينتظر وجبة، أو طردًا غذائيًا، أو سقيا ماء؟ أم أن الوقت قد حان للانتقال إلى مرحلة أكثر تنظيمًا، تُدار فيها الأزمة برؤية شاملة تحافظ على الإنسان، وتدعم صموده، وتستثمر الإمكانات المتاحة بأفضل صورة؟
إن المرحلة المقبلة بحاجة إلى الانتقال من إدارة الطوارئ إلى إدارة الصمود. وهذا لا يعني التخلي عن الإغاثة العاجلة، بل تطويرها وتعزيزها، بحيث تصبح أكثر قدرة على الاستجابة لحاجات المجتمع، وأكثر تنسيقًا بين مختلف الجهات العاملة، وأكثر استدامة في مواجهة حرب طال أمدها.
ولعل أول ما نحتاج إليه هو وجود برامج إنسانية واضحة، تُحدد الأولويات، وتُعزز العدالة في الوصول إلى الفئات الأكثر احتياجًا، وتُطمئن الناس بأن هناك رؤية تُدار بها هذه المرحلة، حتى في ظل صعوبة الظروف وقلة الإمكانات.
كما أن تعزيز الدور الإغاثي والإنساني أصبح ضرورة ملحة، من خلال دعم المؤسسات العاملة، وتمكينها من توسيع برامجها، وتوفير الإمكانات اللازمة لاستمرارها، وتشجيع الشراكات بينها، بما يمنع تكرار الجهود، ويضمن وصول الخدمات إلى جميع المناطق والفئات المحتاجة.
ولا ينبغي أن تقتصر البرامج الإنسانية على الغذاء والمياه فقط، بل يجب أن تشمل التعليم، والرعاية الصحية، والدعم النفسي والاجتماعي، ورعاية الأيتام، وتأهيل الأطفال، ومساندة الأسر التي فقدت مصادر دخلها، لأن المجتمع لا يحيا بالخبز وحده، بل يحتاج إلى كل ما يحفظ إنسانيته ويعزز تماسكه.
ومن المهم أيضًا الاستفادة من الخبرة الكبيرة التي تراكمت خلال ألف يوم من العمل الميداني، وتحويلها إلى خطط أكثر فاعلية، تقوم على التنسيق، وتبادل المعلومات، وإشراك المجتمع في تحديد أولوياته، والاستماع إلى الناس، لأنهم الأقدر على وصف احتياجاتهم الحقيقية.
إن هذه الدعوة ليست انتقادًا لأحد، ولا تحميلًا لأي جهة ما يفوق قدرتها، وإنما هي دعوة مخلصة لتطوير أدوات العمل بما ينسجم مع واقع الحرب الممتدة، وحتى يبقى الإنسان حاضرًا في قلب كل قرار، وكل برنامج، وكل مشروع.
لقد صبر أهل غزة ألف يوم، وما زالوا يقدمون للعالم درسًا في الثبات والإيمان، لكن هذا الصمود يحتاج إلى من يحميه، ويخفف أعباءه، ويمنح الناس أسبابًا جديدة للأمل. فالحفاظ على الإنسان، وتعزيز العمل الإغاثي، وتطوير برامجه، وبناء رؤية مشتركة لمساندة المجتمع، كلها مسؤوليات لا تحتمل التأجيل.
نسأل الله أن يجعل اليوم الألف آخر محطات الألم، وأن يكتب لغزة وأهلها فرجًا قريبًا، وأن يبارك في كل يد تمتد بالعون، وفي كل مؤسسة، وكل متطوع، وكل صاحب مبادرة يسهم في تخفيف معاناة الناس، حتى تعود غزة إلى الحياة التي تستحقها، ويبقى الإنسان فيها عزيزًا كريمًا كما أراد الله له.

