في الوقت الذي تتجه فيه أنظار مئات الملايين حول العالم إلى ملاعب بطولة كأس العالم لكرة القدم، وتتعالى صيحات الفرح مع كل هدف، كانت سماء غزة تمتلئ بأصوات الصواريخ الإسرائيلية والانفجارات الناجمة عنها.
هناك، في خيام النازحين بمواصي خانيونس، لم يكن الشاب سراج حسن موسى (19 عامًا) ينتظر صافرة نهاية مباراة، بل مكالمة هاتفية غيّرت حياته إلى الأبد، وأخبرته بأن ما تبقى من عائلته قد سقط تحت القصف.
كان سراج في عمله في النصيرات وسط قطاع غزة يحاول كغيره من شباب غزة تأمين لقمة العيش، حين تلقى اتصالًا من خاله يبلغه بوقوع إصابات في خيمة العائلة.
أغلق هاتفه مسرعًا وغادر عمله، لكنه لم يكن يعلم أن الطريق إلى الخيمة سيكون طريقًا إلى وداع جديد، فقبل وصوله، تلقى اتصالًا آخر أخبره باستشهاد شقيقه عبد الله، وما إن بدأ يبحث بين الأخبار حتى اكتشف أن شقيقته إسلام أيضًا ارتقت في القصف ذاته، بينما نُقلت الرضيعة لانا إلى غرفة العناية المكثفة وهي تصارع إصابة خطيرة.
لم يكن هذا الفقد الأول في حياة الشاب ذي الأعوام التسعة عشر، بل فصلًا جديدًا في حكاية بدأت قبل أكثر من عقد، ففي عام 2014 فقد والدته أماني في قصف إسرائيلي، ثم عاد الموت ليطرق باب العائلة مجددًا حين استشهد شقيقه مهند أثناء توجهه للحصول على المساعدات الغذائية، في رحلة بحث عن الطعام.
واليوم يقف سراج مرة أخرى أمام المشرحة، مودعًا شقيقًا آخر وشقيقة أخرى، فيما يعلق ما تبقى من أمله على نجاة رضيعة لم تكمل شهرها الخامس.
استهداف مفاجئ
يروي سراج لصحيفة "فلسطين"، تفاصيل اللحظات التي سبقت المجزرة بصوت يختلط فيه الذهول بالحزن، مؤكدًا أن العائلة لم تكن تشكل أي خطر على جيش الاحتلال، ويقول: "أهلي كانوا جالسين يضحكون مع بعض داخل الخيمة، وفجأة استهدفت طائرات الاحتلال خيامهم بصاروخين".
ويضيف: "كنت في شغلي لما اتصلوا فيّ، في البداية قالوا لي في إصابات، وأنا تركت الشغل وطلعت أجري، وفي الطريق اتصل فيّ صاحبي وقال لي: أخوك عبد الله استشهد، وأنا بفتش على الأخبار لقيت اسم أختي إسلام كمان، ما صدقت... ولما وصلت لقيتهم شهداء".
يصمت للحظات قبل أن يكمل بصوت متقطع: "أمي راحت سنة 2014، وبعدها أخوي مهند، واليوم عبد الله وإسلام... حسبنا الله ونعم الوكيل".
دماء وصراخ
وعن الحديث المتكرر حول اتفاق وقف إطلاق النار، يهز سراج رأسه بحسرة، مؤكدًا أن ما يعيشه سكان غزة لا يشبه أي هدنة تُعلن في الأخبار، ويقول إن ما شاهده بعينيه داخل مخيم النزوح يؤكد، بالنسبة إليه، أن المدنيين ما زالوا يدفعون الثمن، وأن القصف لا يميز بين طفل وامرأة أو خيمة تؤوي نازحين.
وفي مكان قريب، تحاول زوجة والده، والدة الرضيعة لانا، أسماء أبو شعر، أن تستجمع كلماتها وهي تستعيد دقائق الرعب التي عاشتها، تقول إن كل شيء حدث فجأة، وإن انفجارًا هائلًا هز المكان قبل أن تتحول خيام النازحين إلى مشهد من الدماء والصراخ.
تروي لصحيفة "فلسطين": "كنا قاعدين في أمان الله، وفجأة سمعنا ضربة قوية جدًا، كأنها بركان، طلعت أجري، لقيت الخيام اللي حوالينا كلها بين شهيد وجريح، الناس تركض في كل اتجاه، والدم في الشوارع، والواحد مش قادر يستوعب اللي صار".
وتشير إلى أن طفلتها لانا، البالغة من العمر خمسة أشهر، أصيبت إصابة خطيرة في الرأس، بينما استشهد عبد الله وإسلام، بعد أشهر فقط من استشهاد شقيقهما مهند.
وبصوت يملؤه القلق على طفلتها، تقول: "كل أملي إن ربنا يطمئننا على لانا، هي طفلة رضيعة ما إلها ذنب، ولسه ما شافت من الدنيا إشي".
وتؤكد أن الحديث عن وجود مناطق آمنة أو وقف لإطلاق النار لا ينسجم مع ما عاشته العائلات النازحة على أرض الواقع، مضيفة: "بيقولوا في هدنة ووقف إطلاق نار، لكن إحنا ما شفنا هدنة، كنا في منطقة قالوا إنها آمنة، قاعدين في خيامنا، وفجأة نزل علينا القصف، اليوم ما عدنا نعرف وين المكان الآمن".
أربع جنازات
من أمام مشرحة المستشفى، يرقد الشهيدان عبد الله وإسلام في وداعهما الأخير، بينما تواصل الرضيعة لانا معركتها داخل غرفة العناية المكثفة، أما سراج، فيتنقل بين المشرحة والمستشفى، يحمل في ذاكرته صور أربع جنازات من أسرته؛ والدته، ثم شقيقه مهند، واليوم شقيقه عبد الله وشقيقته إسلام.
وبينما يواصل العالم متابعة نتائج مباريات كأس العالم، يسجل سراج نتيجة مختلفة لا تظهر على أي شاشة؛ أربعة من أفراد عائلته رحلوا في سنوات قليلة، وطفلة رضيعة تقاوم الموت، فيما يبقى هو شاهدًا على حكاية أسرة أكلتها الحرب واحدًا تلو الآخر، حتى لم يعد يتبقى منها سوى الذكريات والدعاء بأن تنجو لانا، خيط آخر يربط هذه العائلة بالحياة.