قائمة الموقع

الحرب تغيّب أحمد الأشقر وتُبقي عائلته معلّقة بين الأمل والانتظار

2026-07-15T10:14:00+03:00
الشاب أحمد الأشقر
فلسطين أون لاين

 لم يكن أحمد مفيد الأشقر يبحث عن مكان آمن حين غادر مخيم جباليا شمال قطاع غزة، بل كان يحمل همًّا بسيطًا بالنسبة له، لكنه كبير في قلبه؛ الوصول إلى أغنامه والبط والحمام التي تركها خلفه في بيت لاهيا، ليقدم لها الطعام قبل أن تتغير الظروف وتمنعه الحرب من العودة.

خرج أحمد من مكان نزوحه في منطقة اليمن السعيد بمخيم جباليا، متوجهًا إلى بيت لاهيا، حاملًا هاتفه وبعض النقود التي حصل عليها من شقيقته مي. كان يخطط لإنجاز مهمته والعودة سريعًا، لكنه اختفى منذ ذلك اليوم في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، قبل الهدنة الأولى بيومين، تاركًا خلفه عائلة لا تعرف حتى اليوم إن كان أسيرًا أم شهيدًا أم ما يزال ينتظر لحظة العودة.

اضطرت عائلة الأشقر إلى النزوح من بيت لاهيا مع اشتداد القصف والعمليات العسكرية الإسرائيلية، وانتقلت إلى منطقة اليمن السعيد في مخيم جباليا. لكن أحمد، المولود عام 2000، لم يستطع تجاوز فكرة ترك الحيوانات التي كان يعتني بها بلا طعام، فقرر المخاطرة بالعودة إلى منزله رغم خطورة الطريق.

تقول شقيقته مي لصحفة "فلسطين": "جاء أحمد قبل اختفائه بثلاثة أيام وطلب مني بعض المال. قلت له احتفظ به حتى تنتهي الهدنة ونعود إلى بيتنا، لكنه أخبرني أنه يريد شراء بعض الاحتياجات، ثم يذهب لإطعام الغنم والبط والحمام."

كان ذلك اللقاء الأخير بين مي وشقيقها، الذي لم يكن متزوجًا، وكان يعتمد عليها في كثير من تفاصيل حياته اليومية.

آخر مشاهدة

لم تكن العودة إلى بيت لاهيا في ذلك الوقت أمرًا سهلًا، فالمنطقة كانت تشهد عمليات عسكرية واسعة، وأصبح الوصول إليها محفوفًا بخطر القصف أو الاعتقال.

وتروي مي أن أحمد شوهد للمرة الأخيرة بالقرب من مدرسة الفاخورة، حيث التقى بخاله وأخبره بأنه ذاهب لوضع الطعام للحيوانات ثم سيعود.

وتقول: "أخبرنا خالي أنه رأى أحمد عند الفاخورة، وكان يقول له إنه يريد أن يضع الطعام للغنم والحمار، لأنه يخاف أن يصيبها مكروه."

بعد ذلك اللقاء، انقطع أثر أحمد تمامًا، ولم تتمكن العائلة من الوصول إلى أي معلومة تحدد مصيره.

بحث بلا نتيجة

بدأت الأسرة رحلة بحث شاقة منذ الأيام الأولى لاختفائه، فتوجهت إلى المستشفيات، وسألت العائدين من المناطق الشمالية، وحملت صورته بحثًا عن أي شخص قد يكون شاهده أو يعرف ما حدث له.

وتقول مي: "أخذنا صورته إلى المستشفيات حتى نعرف إذا كان أحد تعرف عليه أو إذا كان قد دُفن، لكن لم يخبرنا أحد عنه شيئًا."

وبعد دخول الهدنة، عادت العائلة إلى بيت لاهيا، وهناك واجهت مشاهد مؤلمة لجثامين شهداء بقيت في الطرقات بعد انسحاب قوات الاحتلال، لكنها لم تجد أحمد بينهم.

وتضيف: "رأينا شهداء كثيرين في الشوارع، لكن أحمد لم يكن بينهم، وبقينا في حيرة لأننا لم نعرف أين ذهب."

خيط البلوزة

وسط حالة الغموض التي تحيط بمصيره، وجدت العائلة بلوزة أحمد ملقاة على الطريق بالقرب من منزلهم، في المنطقة الواقعة بين المسجد والبيت، وكانت الأثر الوحيد الذي عثرت عليه بعد اختفائه.

وتوضح مي: "لم نجد هاتفه ولا أوراقه ولا أي شيء من أغراضه، وجدنا فقط البلوزة، ولهذا نعتقد أنه ربما تعرض للاعتقال."

ورغم غياب المعلومات المؤكدة، تمسكت الأسرة بهذا الاحتمال، خصوصًا أن المنطقة كانت تخضع لسيطرة قوات الاحتلال خلال فترة اختفائه.

انتظار لا ينتهي

لم تتوقف محاولات البحث، فتواصلت مي مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومؤسسة "هموكيد"، كما لجأت إلى أسرى محررين ومحامين لمتابعة ملفه.

وتقول: "أبلغونا أن الاحتلال لا يملك معلومات عنه، لكننا نسمع دائمًا عن أشخاص اعتقدت عائلاتهم أنهم فقدوا أو استشهدوا، ثم ظهروا بعد سنوات داخل السجون."

وتضيف أن شريحة هاتف أحمد كانت مسجلة باسمها، وبعد مرور عام على اختفائه استخرجت بدلًا عنها، وحاولت الاتصال بالرقم، لكنها لم تحصل على أي إشارة أو رد.

وتقول: "اتصلت به كثيرًا، لكن لم يكن هناك أي إرسال أو تواصل."

شقيق لا يغيب

كانت مي من أكثر أفراد العائلة قربًا من أحمد، فهي الشقيقة التي بقيت إلى جانب أسرتها بعد زواج بقية شقيقاتها، وكان يلجأ إليها كلما احتاج إلى شيء.

وتقول: "كان يأخذ مني المال عندما يحتاج، ويطلب أي شيء يريده، وكنت أعرف تفاصيل حياته وأسراره، لذلك ما زلت أتذكر آخر لحظة خرج فيها من عندي."

وبعد مرور نحو ثلاثة أعوام على اختفائه، لا تزال الأسرة تبحث عن إجابة تنهي هذا الغياب الطويل.

وتختم مي حديثها قائلة: "نريد فقط أن نعرف الحقيقة. إذا كان أسيرًا نريد أن نطمئن عليه، وإذا كان استشهد نريد أن نستعيده وندفنه بكرامة. الأمل هو الشيء الوحيد الذي يجعلنا نواصل البحث.

اخبار ذات صلة