قائمة الموقع

بين الغياب والانتظار.. أربعة أطفال يترقبون عودة والدهم المفقود

2026-07-09T10:12:00+03:00
أربعة أطفال يترقبون عودة والدهم المفقود عمر القرا
فلسطين أون لاين

منذ أكثر من عامين، تعيش آيات القرا وأطفالها الأربعة على وقع انتظار لا ينتهي. فزوجها عمر اختفى عقب اعتقاله خلال اجتياح قوات الاحتلال منطقة بني سهيلا شرقي خان يونس، ولم تتلقَّ العائلة منذ ذلك الحين أي معلومة رسمية تكشف عن مصيره. وبين البحث في مقار المؤسسات، وانتظار اتصال قد يحمل خبراً، يكبر أطفاله وهم يترقبون عودة والد لم يعد سوى صورة معلقة في ذاكرة الأسرة.

لم تكن آيات تتوقع أن رحلة نزوحها من شرق خان يونس في الثاني من ديسمبر/كانون الأول 2023 ستكون آخر ما يجمعها بزوجها. فقد غادرت برفقة أطفالها وأهل زوجها تحت وطأة القصف، في حين بقي عمر مع شقيقته وعائلتها داخل منطقة بني سهيلا، بعدما فرضت قوات الاحتلال حصاراً خانقاً على المنطقة، وجعلت الخروج منها شبه مستحيل.

تقول آيات إن المنطقة تعرضت لاجتياحات متواصلة، في حين عاش المحاصرون شهوراً طويلة في ظروف إنسانية بالغة القسوة، وسط الجوع والعطش والخوف، وانقطاع شبه كامل لوسائل الاتصال. وخلال تلك الفترة لم تكن تعلم شيئاً عن زوجها، واكتفت بانتظار أي خبر يطمئنها بأنه ما يزال على قيد الحياة.

وفي ذلك الوقت، كانت ترعى ثلاثة أطفال، دون أن تعلم أنها حامل بطفلها الرابع، لتكتشف حملها لاحقاً بينما كان زوجها لا يزال محاصراً، وتبدأ رحلة انتظار مستمرة حتى اليوم.

حصار قاسٍ

تروي آيات أن الحصار استمر قرابة ثلاثة أشهر، عاش خلالها زوجها مع شقيقته وأطفالها الثمانية في ظروف مأساوية، حيث انعدمت المياه الصالحة للشرب، واضطروا إلى غلي المياه لفترات طويلة قبل استخدامها، فيما اقتاتوا على الأعشاب وكل ما يمكن أن يسد رمقهم.

وتوضح أن عمر أصيب مرتين خلال فترة الحصار، إحداهما في ظهره جراء استهداف المنزل الذي احتموا داخله، لكنه واصل، رغم إصابته، مساعدة من حوله والسعي لتوفير ما أمكن من الطعام.

بعد أشهر من الانقطاع، تمكنت آيات من التواصل مع زوجها في مكالمة قصيرة. أخبرها خلالها بأنه بخير، وطلب منها الاعتناء بالأطفال، ثم قال إنه سيخرج للبحث عن طعام وسيعود بعد وقت قصير، لكن تلك كانت آخر مرة تسمع فيها صوته.

وتقول إن الساعات مضت دون أن يعود أو يتصل مجدداً، قبل أن تتلقى اتصالاً من شقيقة زوجها يفيد بأن قوات الاحتلال اقتحمت المكان الذي كانوا يقيمون فيه.

وبحسب روايتها، جمع الجنود جميع الموجودين وأخضعوهم للتفتيش، ثم فصلوا عمر وابن شقيقته عن بقية أفراد العائلة بحجة التحقيق. وبعد فترة أُفرج عن ابن شقيقته، بينما بقي عمر محتجزاً، لتنقطع أخباره منذ تلك اللحظة، دون أن تعرف العائلة إلى أين اقتيد أو ما الذي حدث له.

اختفاء بلا أثر

بعد انسحاب القوات من المنطقة، عادت العائلة للبحث عنه، لكنها لم تجد أي دليل يقود إلى مصيره.

وتشير آيات إلى أنهم عثروا لاحقاً على هوية ابن شقيقته بين الأنقاض، بينما اختفت جميع مقتنيات زوجها، بما فيها أوراقه الرسمية ووثائقه الشخصية وحساباته البنكية، دون العثور على أي أثر لها.

ومنذ ذلك اليوم، لم تتلق الأسرة أي معلومة رسمية بشأن مصيره، رغم أن إفادات الشهود تؤكد أنه اعتُقل أثناء اقتحام المنزل.

لم تتوقف آيات عن مراجعة المؤسسات المحلية والدولية، وتواصلت مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وجهات حقوقية ومؤسسات تُعنى بالمفقودين، على أمل الحصول على أي معلومة.

وتقول إن أكثر ما يؤلمها هو الغياب الكامل لأي إجابة، مضيفة أن عائلات المفقودين تعيش بين احتمالين قاسيين؛ فلا تعرف إن كان أحباؤها قد استشهدوا فتتمكن من وداعهم، ولا تملك دليلاً يؤكد أنهم ما زالوا أحياء.

وتضيف أن بعض الجهات نصحتها باستخراج شهادة وفاة لزوجها لاستكمال بعض الإجراءات، لكنها رفضت ذلك رفضاً قاطعاً.

وتؤكد: "لا أستطيع إعلان وفاة إنسان لا أعرف مصيره. إغلاق ملفه بهذه الطريقة يعني التخلي عن حقه وحق أطفاله في معرفة الحقيقة".

أطفال ينتظرون

اليوم، تتحمل آيات وحدها مسؤولية إعالة أربعة أطفال، أصغرهم وُلد بعد اختفاء والده ولم يره قط.

وتصف أكثر اللحظات إيلاماً حين يقف طفلها الصغير أمام صورة والده، ويسألها بعد أن يسمع أشقاءه يرددون اسمه: "أين بابا؟ ومتى سيعود؟"

أما أشقاؤه الأكبر، فيعتقدون أن والدهم محتجز في السجن، ولا يكفون عن سؤال والدتهم عن موعد عودته، بينما تعجز عن تقديم إجابة تمنحهم الطمأنينة.

وترى آيات أن معاناة عائلات المفقودين لا تقتصر على الغياب والانتظار، بل تمتد إلى شعورهم بأن قضيتهم تُترك في الظل، مطالبة المؤسسات الدولية والحقوقية ببذل مزيد من الجهود للكشف عن مصير المفقودين، ومؤكدة أن معرفة الحقيقة، مهما كانت مؤلمة، تبقى أهون من انتظار مفتوح بلا نهاية.

اخبار ذات صلة