بعد اجتماع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي في البحرين نهاية الأسبوع الفائت، صدر بيان مشترك تكشف مضامينه عن اتساق أمريكي خليجي مطلق، وهو ما يتضح في الآتي:
أولًا: بعد اتساع قاعدة الاعتراف الرسمي العربي بإسرائيل، برزت تنظيمات شعبية مسلحة لمقاومة إسرائيل، وشكلت هذه الظاهرة عاملًا مقلقًا لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض العرب. ولما عجزت الولايات المتحدة وإسرائيل عن وقف تمدد هذه الظاهرة بالقوة العسكرية في فلسطين ولبنان والعراق واليمن، بدأ الضغط الأمريكي على الدول العربية المعنية للمشاركة في اقتلاع ظاهرة التنظيمات الشعبية المقاومة لإسرائيل. واتساقًا مع ذلك، أكد البيان الخليجي الأمريكي أمس على ما يلي (حرفيًا):
أ- الدعوة إلى نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة في لبنان، ودعم الجيش اللبناني «لتحقيق هذا المسعى».
ب- نزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية في غزة.
ت- دعم الحكومة العراقية في جهودها لحصر السلاح بيد الدولة، ومنع الجماعات المسلحة غير الحكومية من استخدام الأراضي العراقية لتهديد دول الجوار.
وهنا نسأل: لماذا لا يُشار إلى تنظيمات المستوطنين الإسرائيليين المسلحة في الضفة الغربية، التي تمارس القتل والاغتصاب وتدمير المنازل، واقتلاع الأشجار الزراعية، وحرق المحاصيل، وإغلاق الطرق، والاعتقال، والسيطرة على المياه... إلخ؟ وكل ذلك موثق في تقارير المنظمات الدولية والإعلام الدولي، ومنه الإسرائيلي؟
ثم إذا كانت الجيوش العربية التي تتبع الأنظمة السياسية المنخرطة في التطبيع غير مسموح لها بالتدخل ضد إسرائيل، وإذا نزعنا سلاح تنظيمات المقاومة من يدها، فهل لوزراء الخارجية أن يحددوا لنا بماذا سيتم الضغط على إسرائيل لتنسحب من لبنان وسوريا وفلسطين؟ هل وصلت الثقة في حسن نوايا نتنياهو إلى هذا الحد؟ فرغم إشارة البيان إلى موقف ترامب من ضم الضفة الغربية (دون ذكر اعترافه بالقدس الكبرى عاصمة أبدية لإسرائيل)، فإن الاستيطان يتسارع في الضفة الغربية بإيقاع يتجاوز أي مرحلة سابقة منذ عام 1967. فما هي الآلية التي يقترحها وزراء خارجية المجلس الخليجي للضغط على إسرائيل لتحقيق الأمن والاستقرار والانسحاب، طالما أنهم لا يريدون انخراط الجيوش النظامية ولا القوى الشعبية المسلحة؟ فلم يبقَ إلا الاعتماد على «نُبل مقاصد نتنياهو»...
ثانيًا: التوافق التام مع التوجه الأمريكي لمنع إيران من فرض أية رسوم على العبور من مضيق هرمز، لكن المرور من المضيق يستوجب المرور من المياه الإقليمية الإيرانية؛ لأن عرض المضيق أقل من مجموع المياه الإقليمية لإيران وعُمان. فإذا كان الخليج يرفض دفع رسوم على سفن تجارية، ونؤكد: تجارية، فلماذا لا يرى ضيرًا في دفع الرسوم على الحج إلى بيت الله الحرام؟ فالتجارة لا رسوم عليها، والحج إلى بيت الله عليه رسوم؟ ويكفي أن نشير إلى أن الخلاف على تعبيري «رسوم» أو «خدمات»، طبقًا لاتفاقية مونترو، يسمح بفرض رسوم خدمات، وهو ما تفعله تركيا في مضيقي البوسفور والدردنيل، بل إنها رفعت قيمة هذه الرسوم بمعدل 15% مع بداية شهر يوليو القادم من هذا العام، وهو الرفع للمرة الرابعة خلال السنوات الأربع الماضية. والقرار التركي ينص على رفع الرسوم بمعدل 5.83 دولار للطن الواحد من حمولة السفينة، وهو ما يعني أن إجمالي الرسوم ارتفع سبعة أضعاف خلال أربع سنوات، وهو ما يمكن لإيران أن تفعله، وليس مهمًا «التسميات»: رسومًا أو خدمات.
ثالثًا: التأكيد على منع إيران من تطوير سلاح نووي أو حيازته «بأي شكل من الأشكال». وهنا نسأل: أليست فرصة، في مثل هذا النقاش، لطرح التسلح النووي الإسرائيلي، ولو من باب «المقايضة» مع موضوعات أخرى، أو ربطه بشروط معينة؟ أم أن الولايات المتحدة توزع مذكرات قبيل الاجتماعات تحدد فيها «البيان الختامي قبل الاجتماع»؟
رابعًا: أكد المجتمعون «التزامهم بسيادة سوريا ووحدتها وسلامة أراضيها، وتقديم المساعدة لها في مواجهة التحديات، مثل مكافحة الإرهاب... إلخ». وهنا نسأل: لماذا نص البيان تحديدًا على مكافحة الإرهاب (وهنا معروف المستهدف المقصود)، ثم هل هضبة الجولان لا تستحق الذكر، رغم أنها تعادل حوالي أربعة أضعاف مساحة غزة؟ يُضاف إليها مساحة تبلغ حوالي 240 كيلومترًا مربعًا تم التوسع الإسرائيلي فيها بعد هروب بشار الأسد، وتتمركز إسرائيل الآن في تسع نقاط عسكرية داخل هذه الأراضي المضافة حديثًا، والتي تعادل تقريبًا مساحة قطاع غزة.
خامسًا: أكد المجتمعون أن «تحقيق السلام والأمن الدائمين في المنطقة يتطلب التصدي لجميع أشكال التهديد الإيرانية، بما في ذلك صواريخها ومسيراتها ودعمها لوكلائها في المنطقة». وهنا نسأل: لماذا لا يتضمن البيان نصًا موازيًا عن إسرائيل؟ فالمنطقة هي الأعلى بين أقاليم العالم في عدم الاستقرار السياسي، وكان ذلك قبل قيام الثورة الإيرانية وبعدها. فهل إسرائيل بريئة من «عدم الاستقرار»، أم أن جدول الأعمال الأمريكي لا يتضمن هذا البند؟
سادسًا: نص البيان على: «جدد أصحاب المعالي الوزراء التزامهم القوي بالشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة ومجلس التعاون الخليجي». ومفهوم الشراكة الاستراتيجية مفهوم معاصر في العلاقات الدولية، أصبح رائجًا بعد وروده عام 1994 في بيان الرئيس الأمريكي (بيل كلينتون) والرئيس الروسي (بوريس يلتسين)، مع أنه تم استخدامه عام 1992 بين تركيا والولايات المتحدة، وفي عام 1993 بين البرازيل والصين، وفي عام 1996 لاحقًا بين روسيا والصين... إلخ.
والمشكلة لدى أغلب مفكري العلاقات الدولية هي عدم وضوح نطاق وموضوعات الشراكة، ومدى الإلزامية القانونية لها، لكنهم يجمعون على أن الشراكة الاستراتيجية تقع في مرتبة دون التحالف، وهي أقرب إلى النموذج غير الصفري في العلاقات الدولية.
لكن الملاحظ أن أغلب أدبيات الشراكة الاستراتيجية تشير إلى بعض الملاحظات (تمثل دراسة Tyushka Andriy وCzechowska Lucyna، وعنوانها: Strategic Partnership: International Politics and IR Theory – 2019، من الدراسات القيمة في هذا الجانب، وهناك دراسات عديدة لا يتسع المقام لعرضها):
أ- إذا كان طرفا الشراكة الاستراتيجية متقاربين في موازين القوى الكلية، تكون أكثر فائدة للطرفين.
ب- إذا كان هناك خلل في موازين القوى بين طرفي الشراكة، فإن الشراكة تتحول إلى «تمويه للتبعية».
ت- أهمية المتغير الجيواستراتيجي لطرفي العلاقة تزيد من أهمية النقطتين السابقتين.
ث- أن الشراكة الاستراتيجية تكون أكثر استقرارًا بين دول ذات نظم ديمقراطية.
ج- أن الشراكة الاستراتيجية للطرف الأضعف هي بحث عن حماية يوفرها الطرف الأقوى، بينما هي للطرف الأقوى بحث عن توظيف الأضعف في سياق استراتيجيته الشاملة.
وهنا نسأل: ما المفهوم الذي يتبناه الطرف الخليجي للشراكة الاستراتيجية؟ وهل الترابط مع القيادة المركزية للقوات الأمريكية، بعد نقل تبعية إسرائيل من القيادة الأوروبية إليها عام 2021، هو جزء من «الشراكة الاستراتيجية» بمفهوم التوظيف؟ أمر بحاجة إلى التدقيق في مدلولاته.

