على الرغم من تصاعد الدعوات الفلسطينية من حركة حماس والفصائل لتسريع دخول اللجنة الإدارية إلى قطاع غزة والمباشرة في مهامها، ما تزال المفاوضات الجارية في القاهرة تراوح مكانها دون تحقيق تقدم فعلي.
ويأتي ذلك في وجود تعقيدات سياسية مرتبطة برؤى متباينة لمستقبل إدارة القطاع، ما يفاقم الأزمة الإنسانية المتدهورة ويجعل المشهد مفتوحًا على عدة سيناريوهات سياسية متداخلة.
وخلال النقاشات الأخيرة في القاهرة، قدّمت الولايات المتحدة رؤية عبر "مجلس السلام" ممثلًا برئيسه نيكولاي ملادينوف، تتضمن ربط ملفات اللجنة الإدارية والإعمار وإرسال قوات دولية بمسألة نزع السلاح، ما أدى إلى تعقيد المشهد وإبقاء التقدم في حالة جمود.
وتؤكد حركة حماس موقفها الداعم لتشكيل اللجنة الإدارية، والتزامها الكامل بتمكينها من مباشرة مهامها، واستعدادها لتسليمها جميع الصلاحيات والملفات الإدارية فور وصولها إلى القطاع.
كما شددت الحركة على أن الاحتلال يواصل تعطيل دخول اللجنة، في محاولة لإبقاء القطاع في حالة من الفوضى وتعميق الأزمة الإنسانية، ما يضع الوسطاء والمجتمع الدولي أمام مسؤولياتهم للضغط من أجل ضمان وصول اللجنة وتمكينها من أداء مهامها دون عوائق.
قدرة محدودة للوسطاء
يقول الكاتب والمحلل السياسي تيسير محيسن إن المعيق الرئيسي يتمثل في الاحتلال الإسرائيلي، مشيرًا إلى أنه كان من المفترض أن تدخل اللجنة الإدارية إلى غزة بالتزامن مع دخول القوة الأمنية المكلفة بالإشراف على الحدود، والانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق التهدئة، بالتوازي مع استكمال متطلبات المرحلة الأولى، خاصة ما يتعلق بالبروتوكول الإنساني.
ويضيف محيسن لصحيفة "فلسطين" أن الاحتلال لم يُبدِ أي نية جدية للالتزام باستحقاقات الاتفاق، وهو ما يتجلى في الخروقات المتواصلة التي تجاوزت 3300 خرق، إضافة إلى المماطلة وافتعال ذرائع تعرقل التنفيذ وتتناقض مع مواقف الوسطاء والدول الراعية.
وبشأن دور الأطراف الدولية والوسطاء، يرى محيسن أن قدرتهم على إلزام الاحتلال بتنفيذ الاتفاق ما تزال محدودة وغير فاعلة بالشكل المطلوب، كما أن الإرادة الأمريكية لم تكن حاضرة بالقدر الكافي للضغط على الاحتلال ودفعه للالتزام بتعهداته والانتقال إلى المراحل التالية.
ويشير أيضًا إلى وجود تحديات لوجستية ومالية مرتبطة بعمل اللجنة الإدارية، إذ يتطلب نجاحها توفير موارد وإمكانات مالية كافية، في وقت جرى فيه توجيه جزء من الأموال المخصصة لغزة إلى مسارات أخرى، ما يحد من قدرتها على العمل فور دخولها.
ويؤكد محيسن أن أهمية اللجنة تنبع من كونها الإطار الإداري المرجعي لمعالجة الأوضاع الإنسانية والخدمية التي تفاقمت خلال الحرب، وأن دخولها يمثل خطوة نحو تخفيف المعاناة وإعادة تنظيم المؤسسات وفتح المجال أمام جهود الإغاثة والإعمار.
ويحذّر من أن استمرار تعطيل دخول اللجنة يعني بقاء الأزمات على حالها، واستمرار سياسة التضييق على السكان في ظل واقع معيشي بالغ الصعوبة.
هندسة الواقع السياسي
من جانبه، يرى رئيس معهد فلسطين للدراسات الاستراتيجية رامي الشقرة أن تشكيل اللجنة يأتي ضمن مسار أوسع لإعادة هندسة الواقع السياسي والإداري في قطاع غزة بعد الحرب، وليس مجرد أداة لتجاوز الأزمة الإنسانية أو إخراج رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو من مأزقه السياسي والعسكري، مشيرًا إلى أن هذه الرؤية تتقاطع مع رفض نتنياهو لأي صيغ حكم مرتبطة بحركتي حماس أو فتح.
ويقول الشقرة لـ"فلسطين" إن هذا المسار قُدِّم باعتباره حلًا مؤقتًا لتخفيف المعاناة الإنسانية وتوفير إدارة مدنية للقطاع، إلا أن القراءة الفلسطينية تعتبره مرتبطًا بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني ككل، وليس إدارة غزة فقط.
ويضيف أن العائق الحقيقي أمام دخول اللجنة يرتبط بالموقف الإسرائيلي وشروط المرحلة الانتقالية، إذ لا يُنظر إلى اللجنة كإجراء إداري منفصل، بل كجزء من ترتيبات "اليوم التالي" في غزة، المرتبطة بملفات الأمن وسلاح الفصائل.
ويوضح أن "مجلس السلام" يُعد الإطار الأعلى المشرف على المرحلة الانتقالية، إلا أن طبيعته، وفق منتقديه، تعكس مقاربة دولية تركز على إدارة القطاع وإعادة ترتيبه أكثر من معالجة جذور القضية الفلسطينية، خصوصًا في حال غياب إطار وطني فلسطيني موحد يشمل غزة والضفة.
وبذلك، فإن جوهر الإشكالية لا يقتصر على دخول لجنة إدارية، بل يمتد إلى سؤال استراتيجي حول طبيعة المرحلة المقبلة: هل ستكون اللجنة جزءًا من مشروع وطني فلسطيني موحد، أم أداة لإعادة تعريف غزة كملف أمني وإنساني منفصل وفق الرؤية الإسرائيلية؟
ويؤكد الشقرة أن التأخير لا يرتبط بالإجراءات الفنية فقط، بل بصراع أوسع على من يحدد شكل المرحلة المقبلة، بين الإرادة الفلسطينية وترتيبات ما بعد الحرب.

