لم يكن السادس من فبراير/شباط 2024 يومًا عاديًا في سيرة الصحفي والأكاديمي الدكتور رزق محمد غازي الغرابلي. ففي التاريخ ذاته الذي شهد ميلاده عام 1984 في مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، ارتقى شهيدًا بعد أربعة عقود حافلة بالعلم والعمل والعطاء. وكأن القدر أراد أن يجعل من هذا اليوم علامة فارقة تختصر رحلة حياة كاملة، بدأت بميلاد رجل حمل رسالة العلم والإعلام، وانتهت باستشهاده خلال واحدة من أكثر الحروب دموية في تاريخ غزة.
استشهد الغرابلي إثر قصف إسرائيلي استهدف منزل عائلته في حي الأمل غرب خان يونس، خلال الاجتياح البري العنيف الذي تعرضت له المدينة في ذروة الحرب. وبينما كانت أصوات الطائرات والقذائف تمزق سماء المكان، صمت صوت الرجل الذي أفنى عمره حاملًا الكلمة والقلم والكاميرا، مدافعًا عن الحقيقة، ومؤمنًا بأن للعلم رسالة لا تنتهي حتى في أحلك الظروف.
ورغم رحيله، بقيت سيرته حاضرة في ذاكرة زملائه وطلابه وكل من عرفه عن قرب، بوصفه نموذجًا للصحفي المثقف والأكاديمي المجتهد، الذي جمع بين الإعلام والعلوم الشرعية والعمل المجتمعي، وظل طوال حياته منحازًا للعلم والإنسان والوطن.
رحلة علمية حافلة
أنهى الغرابلي دراسته الثانوية في مدرسة هارون الرشيد، قبل أن يبدأ رحلة علمية طويلة اتسمت بالمثابرة والتنوع. درس الصحافة والإعلام في الجامعة الإسلامية بغزة، فجمع منذ سنواته الأولى بين شغفه بالكلمة ورسالة الإعلام، ثم أتقن اللغة الإنجليزية، قبل أن يواصل دراسته في العلوم الإسلامية بجامعة القدس المفتوحة، حيث تخرج بتفوق.

ولم تتوقف طموحاته عند هذا الحد، إذ حصل على درجة الماجستير في الفقه من جامعة الأزهر بغزة، ثم سافر إلى ماليزيا لمواصلة مسيرته العلمية، لينال درجة الدكتوراه في الفقه بعد سنوات من البحث والاجتهاد.
وخلال سنوات غربته، واجه تحديات صحية صعبة بعد إصابته بمرض السكري، إلا أن المرض لم ينجح في كسر عزيمته أو إبطاء خطواته. واصل دراسته وأعماله التعليمية والدعوية بإصرار لافت، متنقلًا بين قاعات المحاضرات والبحث العلمي والعمل المجتمعي، حتى أصبح محاضرًا أكاديميًا ومشرفًا على رسائل علمية في عدد من المؤسسات التعليمية.
مسيرة أكاديمية وإعلامية
عمل الغرابلي محاضرًا عن بُعد في الجامعة الإسلامية بولاية مينيسوتا الأمريكية منذ مطلع عام 2022 وحتى استشهاده، كما عمل سابقًا محاضرًا في مدرسة الأقصى التكاملية بماليزيا بين عامي 2018 و2021.
كما أسهم في تأسيس مشاريع تدريبية وتعليمية في المجالين الاقتصادي والشرعي، وعُرف بين طلابه وزملائه بشغفه الكبير بالبحث العلمي وحرصه على نقل المعرفة بروح تربوية وإنسانية قريبة من الناس.
ورغم الفرص التي أتيحت له للبقاء خارج فلسطين، فضّل العودة إلى قطاع غزة وعائلته، مؤمنًا بأن رسالته الحقيقية يجب أن تستمر بين أبناء شعبه الذين عاش تفاصيل حياتهم وآلامهم اليومية.
ومنذ عام 2015، تولّى إدارة مكتب المركز الفلسطيني للإعلام، وقاد فريق العمل خلال سنوات عصيبة، وشارك بنفسه في التغطيات الميدانية وإعداد التقارير الصحفية، وظل يمارس عمله الإعلامي حتى الأيام الأخيرة قبل استشهاده.
الزوج والأب الحنون
في منزل العائلة، لم يكن الغرابلي مجرد صحفي أو أكاديمي، بل كان أبًا حنونًا يملأ البيت دفئًا وطمأنينة. وتقول زوجته لصحيفة "فلسطين" إنه كان "صاحب قلب كبير، وهادئًا بطريقة تمنح من حوله شعورًا دائمًا بالأمان".
وأضافت أن أبناءه كانوا ينتظرون عودته يوميًا بشغف ليجلس معهم، ويتابع دراستهم، ويحكي لهم القصص، ويشجعهم على القراءة وحفظ القرآن والتفوق العلمي، رغم انشغالاته الكثيرة وضغط العمل والحرب.
وأشارت إلى أن أكثر ما كان يميزه صبره الكبير وقدرته على احتواء من حوله، حتى في أصعب أيام الحرب. فبينما كان الموت يقترب من الجميع، كان يحرص على أن يبدو مطمئنًا أمام أطفاله، وأن يزرع في نفوسهم شعورًا بالأمان رغم كل ما يحيط بهم من خوف.
وأكدت أنه، رغم شدة القصف والخطر، رفض مغادرة المنطقة أو ترك أسرته، إيمانًا منه بأن لا مكان آمنًا في غزة، وأن الإنسان لا يستطيع الفرار من قدره.
ومنذ اندلاع الحرب الإسرائيلية في أكتوبر/تشرين الأول 2023، خصص الغرابلي حسابه على "فيسبوك" لبث رسائل الصمود والثبات بين الناس. وكتب في أحد منشوراته بتاريخ 22 ديسمبر/كانون الأول 2023:
"اخلع نعالك قبل دوس ترابها.. فتراب غزة من رفات شبابها، وسماؤها مجد تهاطل عزة.. وتهاطلت بالملحمات سحابها، قبّل ثراها باسمًا لا تبتئس.. إن الشعوب حياتها بمصابها".
نعي ورثاء
وفي منشور آخر عبّر عن تمسكه بوطنه ورفضه لمشاريع التهجير، قائلًا: "أيا وطني، لو كان لي قلبان لعشت بواحد، وأفردت قلبًا في هواك يُعذَّب".
وعقب استشهاده، امتلأت منصات التواصل الاجتماعي برسائل النعي والرثاء من أصدقائه وطلابه وزملائه الصحفيين، الذين استعادوا صورته كإنسان متواضع وصاحب خلق وعلم.
وكتب أحد زملائه أن الغرابلي "كان صاحب علم وأخلاق، لا يتأخر عن مساعدة أحد مهما كانت ظروفه"، فيما وصفه آخر بأنه "من أكثر الشخصيات تواضعًا وإخلاصًا في العمل الإعلامي".
أما أحد طلابه السابقين فكتب: "لم يكن الدكتور رزق مجرد محاضر جامعي، بل كان قدوة حقيقية في الأخلاق والعلم والصبر، وكان يعامل طلابه بمحبة واحترام كبيرين".
كما استذكر آخرون صوته العذب في تلاوة القرآن وخطبه المؤثرة في مساجد خان يونس، حيث عُرف بخطابه الهادئ القريب من الناس، وقدرته على ربط النصوص الدينية بواقعهم اليومي المثقل بالحروب والمعاناة.
برحيل الدكتور رزق الغرابلي، خسرت غزة صحفيًا وأكاديميًا ترك بصمة واضحة في ميادين الإعلام والتعليم والدعوة والعمل المجتمعي، غير أن سيرته ستبقى شاهدة على حياة امتلأت بالعلم والعطاء والإيمان العميق بالرسالة، وعلى رجل حمل قلمه وكاميرته حتى اللحظة الأخيرة من عمره.

